سافر على طريقتك

business-3268751_1920

كان من المفترض أن أخصص هذه التدوينة للكتابة عن رحلتي الأخيرة إلى فيتنام لكن موضوع آخر أكثر إلحاح طفا على سطح أفكاري أثناء الرحلة وجعلني أشعر بالحاجة الملحة للكتابة عنه أكثر من أي شيء آخر. التسكع في فيتنام دون خارطة طريق ودون جدول سياحي ودون نصائح من أحد ربما هو ما أتى بفكرة هذه التدوينة حتى عززها كتاب عن السفر كنت أقرأه خلال الرحلة، استثارتني عدة مقاطع منه يسخر فيها الكاتب من طريقة الآخرين في السفر ويمجد طريقته! تزامن هذا مع توقفي عن متابعة شخص على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لأنه تحول من شخص يشارك الآخرين بخفة رحلاته ومعلوماته عن البلد التي يزورها وثقافتها إلى إله، لا يرينا إلا ما يرى و يتنمر على كل طرقنا الشخصية في السفر والاستمتاع! هذا كله استفزني على طريقة منذ متى تحول السفر من رغبة وحرية شخصية وشغف شخصي خاص يمارس فيه الفرد الطريقة المناسبة له إلى منهج وطريقة يجب أن يستمع فيها لرب أعلى يردد ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”! مع الأسف صنع الناس في السفر آلهتهم بنفسهم ثم عبدوها! أتذكرّ هنا كمّ الأشخاص الذين بدأوا في التفكير في السفر الفردي فقط لأن فلان يسافر بهذه الطريقة ويرى أنها الطريقة الصحيحة والوحيدة للسفر أو بدأوا في السفر الإقتصادي والتحدي أيهم يسافر بميزانية أقل رغم قدرته المادية وحبه للسفر لأن أحد مشاهير السفر يرى أن من يسافر بطريقة أخرى لا يفهم المعنى الحقيقي للسفر أو لأنه يري الموضوع موضة لابد من اتباعها! هذا عدا من اقترضوا المال لمحاكاة تجارب شخص آخر يسافر على حساب جيوب شركات الطيران والفنادق أو دعوات جهات حكومية حول العالم!

لماذا نسافر؟

أول سؤال نحتاج الإجابة عليه قبل التفكير في السفر وهو مفتاحنا لنسافر على طريقتنا. لماذا تسافر؟ هل تسافر لتقضي وقت طيب في مكان جديد مع نفسك أو مع شريك أو عائلة أو أصدقاء؟ هل تسافر للابتعاد عن بيتك و روتينك فقط؟ هل تسافر لتنفرد بنفسك؟ هل تسافر لتسترخي وتتخلص من الضغوط؟ هل تسافر لتتعرف على ثقافة مختلفة؟ هل تسافر لتقابل أشخاص جدد؟ هل تسافر لتزور معالم سياحية ؟ هل تسافر لممارسة أنشطة معينة؟ هل تسافر لتكتشف و لتتعلم؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستمكنك من رسم خارطتك وخطتك بنفسك لأنك إن اعتمدت على آخر لرسمها لك فإنه حتماً سيفعل بناء على إجابته هو لهذا السؤال.

كم ميزانيتك؟

هل تدخر لتسافر؟ أم لديك رصيد يكفيك همّ الادخار؟ أو ربما تسافر براتب الشهر الذي يصادف الرحلة وهذه ميزانيتك؟ أم ليس لديك ما يكفي من مال لكنك عاشق للسفر وعلى استعداد أن تفعل أي شيء من أجله؟

بناء على الإجابة ستحدد نوعية سفرك. في السفر سياسة “مدّ سفرتك على قدّ فلوسك” يجب أن تكون نشطة. لا يعقل أن تحاول مجاراة شخص تتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي يقيم في منتجعات فخمة ويستأجر سيارة بسائق للتنقل ويقضي يومه ما بين مطاعم ومقاهي فاخرة ويجرب كل الأنشطة الموجودة في البلد الذي يزوره وأنت ذو دخل قليل أو التزامات مادية كثيرة وأيضاً هذا لا يعني أن تحرم نفسك من السفر فقط لأنك لا تستطيع السفر بطريقته! كما أنه ليس من المنطق أن تحاول مجاراة أو الدخول في تحدي مع شخص يسافر بطريقة اقتصادية لأسبابه الخاصة بينما أنت تحب السفر و قد أكرمك الله بالمادة دون التزامات أو ربما تسافر مره واحدة أو مرتين في السنة ولمدة قصيرة بينما يسافر هو لمدة أطول! شهدت بنفسي كيف يتحدى بعض الأشخاص بعضهم في الإنفاق الأقل في السفر دون مبرر مقنع ولازلت بصراحة أتساءل إذا كنت أحب شيئاً ما ولدي قدرة مادية للإنفاق عليه بسخاء بعيداً عن الإسراف فلماذا لا أفعل؟ لماذا أتحدى نفسي في إنفاق أقل القليل خصوصا إذا ما كنت اعتبره أولوية! حتى أن أحد الأشخاص على سنابتشات تحدى متابعيه في تخمين ميزانية رحلته الأخيرة للتفاخر بأنها أقل مما يتوقعون ثم حين ذكر أحد متابعيه أنه زار نفس الوجهة وأنفق أقل تحول صاحبنا لوحش ينتقد التقتير في السفر والحرمان (: هذا ما سيحصل معنا إن وضعنا للسفر أرباب نتبعهم سيتلاعبون بنا ويحركوننا على أهوائهم. إذا وفقاً لقدرتك المادية دون تقتير ودون إسراف منتهي بديون سافر، إن لم تملك سوى القليل فهناك الكثير من السبل التي ستساعدك كحجز الطيران المبكر والنزول في دور الشباب أو استخدام couchsurfing   أو العمل في البلد الذي تزوره مقابل السكن والطعام طبعاً وأي طريقة تختار عليك النظر فيما إذا كانت تشبهك وتناسبك أصلاً أم لا. أما وإن أكرمك الله بالمال فخياراتك مفتوحة.

مع من تفضل السفر؟

قد تكون الإجابة مع نفسك و لوحدك حيث ترتب جدولك ووقتك بما يناسبك، تزور الأماكن التي تحب وتتفاعل مع من تشاء دون قيود أو تجدها فرصة لأن تختلي بنفسك وقد تكون الشخص الذي يحتاج مشاركة آخرين قريبين منه سواء أهل  أو أصدقاء أو صديق حميم ليستمتع بوقته أكثر أو لأنه لا يحب التفاعل مع الغرباء لذا يفضل أن يكون دائما بصحبة أشخاص يعرفهم أو لأنه ببساطة يخاف السفر وحيد وقد تكون الإجابة مع مجموعات سياحية تكون فيها واحداً بين جماعة تتعرف فيها على أشخاص آخرين لا عائلة ولا أصدقاء. ربما تكون مزيجاً من السابق كله فتسافر أحياناً لوحدك وأحياناً مع عائلتك أو أصدقائك وأحياناً مع مجموعات سياحية. الحالة الاجتماعية تساعد كثيراً في إجابة هذا السؤال بمعنى هل ترتبط بشريك أو أطفال يرون أنه من الأنانية أن تسافر دون اصطحابهم أو يرون أنه من المريح أن تسافر لوحدك بينما هم يقضون وقتهم بالطريقة التي يفضلونها أو مره معهم ومره بدونهم وفقاً لما يناسبكم كعائلة! إذا دائما سيكون لك أسبابك الخاصة التي تجعل من طريقة معينة في السفر مناسبة لك أكثر من بقية الطرق. تقول صديقة قبرصية أنا لا أستطيع الصمت ولو لدقيقة لذا أحتاج أن أسافر دائماً بصحبة أحد لأتحدث معه طيلة الوقت وصديقة يونانية تقول أنا لا أستطيع تناول الطعام وحيدة في مطعم لذا لا أتخيل أن أسافر وحيدة. أواجه هذا السؤال كثيرا: كيف تسافرين لوحدك وكيف نستطيع السفر لوحدنا؟ في السابق كنت أحاول الإجابة على كيف بأن أمجد كثيراً السفر الفردي وأحاول تشجيع الآخر عليه كنت من التطرف لدرجة التلميح بأنه أفضل أنواع السفر وأعظمها! وهذا صحيح لكن من وجهة نظري الشخصية جداً. تنبهت لمبالغتي واستيقظ الاخصائي النفسي داخلي ونبهني بأني بهذا التمجيد قد أجعل الآخر يشعر بالنقص كونه لم يجرب أو لا يحب هذه الطريقة! وأنها أولاً وأخيراً طريقة ونوع مناسب لي ولخصائصي لكن قد لا تكون كذلك للآخر لذا مؤخرا أصبحت أبدأ بتوضيح أني أسافر لوحدي لأن هذه الطريقة تناسبني وتناسب ظروفي بعد التجربة والاختبار وتناسب خصائصي الشخصية وهذا هو المهم لكن هذا لا يعني أبداً أنها الطريقة الصحيحة والمناسبة للجميع ولا يعني أن تجربتك ينقصها شيء إن لم تسافر بهذه الطريقة هي مجرد وسيلة من وسائل عدة لتحقيق غاية أعظم وهو السفر أي أنها ليست غاية بحد ذاتها تشعر بالضيق إن لم تبلغها.

أخيراً السفر تجربة شخصية اختيارية بحتة قد تستفيد في تخطيطها من توصيات المواقع والمسافرين الآخرين ومن سبقوك لوجهة معينة لكن لا يفترض أن تكون استنساخ لتجربة آخر أو تقليد له أو أخذ بتوصيات معينة كفرض لابد من اتباعه حتى وإن لم يكن مناسب لك أو جعل الآخر إله تسجد له قبل كل سفرة فقط لأنه يسافر أكثر منك أو يسافر لأماكن لا تعرف عنها! السفر متعة ولذة شخصية لا يفترض أن تمارس فيها أي شيء يتعارض مع استمتاعك لذا اسأل نفسك قبل كل خطوة في الترتيب لسفرك: هل هذا الشيء ( طريقة، طقس، تجربة، مغامرة) ممتع لي شخصياً أم لا ؟

سافر بهدف: رحلتي إلى زنجبار

خضت في يونيو الماضي تجربة حياتية إنسانية مختلفة عن جميع تجاربي السابقة ولأنها أكبر من مجرد تجربة وأعمق من خبرة حياتية عابرة أخذتني الحماسة لتوثيقها والكتابة عنها رغم الخوف الذي راودني من عجز الكتابة عن نقلها بتفاصيلها وكامل أثرها.

في يوم ٢٣ يونيو ذهبت إلي زنجبار- تنزانيا  في رحلة تطوعية مع مؤسسة نموهب وهي مؤسسة اجتماعية تهدف لتعزيز ثقافة السفر لهدف عن طريق السعي لتغيير فكرة السياحة والسفر من مجرد زيارة وجهة معينة إلى زرع أثر ممتد في هذه الوجهة من خلال المساهمة في أعمال تطوعية تنظمها المؤسسة. هدفت الرحلة للمساهمة في بناء فصول دراسية في مدرسة كينوني في زنجبار بالإضافة لجدول سياحي يمنح المتطوع الفرصة للوقوف على أهم معالم و مزارت البلد وأنشطتها السياحية.

فكرة الانضمام لنموهب جاءت من شغفي بالعطاء و بفكرة كانت ترددها والدة صديقتي :” من عطى عطى نفسه” من جانب وعشقي للسفر من جانب آخر فكانت نموهب هي مصباح علاء الدين ومارده الذي جمع بين شغفي وعشقي. هذا المزيج الرائع بين العمل الخيري والسياحة هو ما حفزني بشدة للانضمام لهم. كانت الرحلة على مدى شهر كامل لكن يحق للمشترك اختيار أسبوع واحد فقط أو أسبوعين أو ثلاثة وعليه اخترت أسبوع واحد مدفوعة بحماس العطاء ومتخوفة قليلاً من انعدام الخبرات السابقة.

نموهب
الصورة من حساب nomuhub@ على انستقرام

ما قبل الرحلة

من خلال موقع نموهب اطلعت على تفاصيل رحلة زنجبار  وسجلت في الأسبوع الثالث الذي يبدأ يوم الأحد ٢٣ يونيو وينتهي يوم السبت ٢٩ يونيو بتكلفة 960$ في الحقيقة كانت التكلفة مبهرة لي حيث تشمل السكن والمواصلات واستقبال من المطار وتوصيل للمطار ووجبة فطور وغداء والأنشطة السياحية والتبرع أيضاً لبناء الفصول ولأجرة العمال المحليين، إذا هو تبرع أولاً وتطوع ثانياً ثم سياحة في جزيرة كنت في الأصل متحمسة لزيارتها بعد أن شاهدتها وشواطئها العظيمة في فيديوهات لسياح أجانب وعرب.

بعد الحجز بدأت في الإستعداد بتفحص الجو في زنجبار فوجدته مشمس نهاراً ومعتدل مساءً و تعتبر الفترة من يونيو إلى أكتوبر من أفضل الأوقات لزيارة زنجبار. ساعدني ذلك في تحديد القطع المناسبة للرحلة والتي كانت في أغلبها من القطن والأقمشة الخفيفة. الأهم من الملابس كانت التطعيمات/ اللقاحات التي يجب أخذها قبل السفر إلى زنجبار، بناء على توصيات وزارة الصحة ووفقاً للبحث الذي قمت به كان لقاح الحمى الصفراء أهم اللقاحات المتفق عليه عداه يتم استشارة الطبيب وبعد القراءة والاستشارة انتهيت لأخذ لقاح الحمى الصفراء وأقراص مضادة للملاريا. حرصت على أن أخذ معي حقيبة اسعافات أولية صغيرة ومناديل ديتول وبخاخ مضاد للبعوض. بالنسبة للتأشيرة لم تشغل بالي حيث يمكن الحصول عليها في المطار مقابل ٥٠ دولار فقط قمت بعمل تأمين سفر.

IMG-0879

في زنجبار

 منذ أن وصلت المطار تم استقبالي بما يعطي طابع عام عن زنجبار وكونهم شعب *(هكونا ماتاتا) إذ أردت دفع رسوم التأشيرة لإدارة الهجرة والجوازات باستخدام بطاقتي الفيزا إلا أنهم طلبوا كاش رغم وجود علامة الدفع باستخدام الفيزا والماستر كارد ولأني لا أحمل كاش طلبوا مني الخروج من المطار حيث يوجد جهاز صراف (: خرجت ولم أتنبه أني تحولت سريعاً لهكونا ماتاتا إلا حين أردت الدخول للمطار وتذكرت أني تركت جوازي مع موظف كان ينظم السير حتى أني لا أعرف وظيفته الأساسية وهو الذي لم يرتدي بدلة رسمية! الحمدلله بعد دقائق من الفجيعة والبحث جاء الموظف ضاحكاً بجوازي وتم الدفع والدخول لتبدأ الرحلة مع نموهب وباص نموهب وحسين من زنجبار يغني لنا ويتحدث عن زنجبار حتى وصلنا للنزل مكان إقامتنا أو بيتنا مثلما أصبحت أسميه وهي التسمية التي تليق بحميمته وأبوابه الخشب وتفاصيله الدافئة بأدواره الثلاثة وسطحه الصغير الذي قضيت إحدى الليالي فيه أنا التي لا أذكر آخر مره صعدت فيها لسطح منزلنا. أيضا (بيتنا) تليق بمريم أم البيت وروحه، مريم التي كان من واجبها أن تدير السكن فقط لكنها تحولت لأم تنتظر الجميع حتى يعودون من الخارج تسأل عن يومهم تغمرهم بلطفها تخرج معهم في جولات لوسط المدينة تفعل كل هذا بابتسامة عريضة ابتسامة حقيقية تنسيك مسؤوليتها الأساسية وتذكرك بأنها أم حنون كلما عدنا من العمل وسألت كل شخص فينا عن يومه وهل كان اليوم شاق؟ السؤال الأخير يدفعني لتفصيل تجربة التطوع.

المدرسة والعمل التطوعي

كانت المدرسة تبعد عن سكننا قرابة ٢٠ دقيقة أو أقل وكان العمل فيها من الساعة ٨ تقريباً إلى الساعة ٢:٣٠م.  قطعنا الطريق في أول يوم بكل حماسة وتلهف ونشاط ما إن توقفنا عند المدرسة حتى تم اخبارنا أنهم أعدوا استقبال لنا في الحقيقة لم يسعفني خيالي بأي صورة مسبقة لوضع الطلبة والمدرسة لكن ما إن وصلت حتى أدركت أن الوضع لم يكن ليشبه أي تصور مسبق. خطف قلبي قبل بصري منظر الأطفال يجلسون على التراب لاستقبالنا، بعضهم حفاة دون أحذية والكثير منهم دون حقائب وإنما ما تيسر من مرادفات بالية لمفهوم حقيبة و تنتثر القمامة في المشهد! توالت المشاهد خلال أيام التطوع لتؤكد لي قلة حيلتي وعجزي أمام أطفال بحاجة للكثير بدء بالماء والطعام مروراً باللباس وانتهاءً بالتعليم الجيد. أصبح مشهد الأطفال يلعبون حولنا وليس في الفصول مألوف فالفصول أقل من عدد الطلبة لذا هم يتناوبون على الفصل الواحد، لذا كان أحد الفصول في الهواء الطلق أرضه تراب وسقفه شجرة، لذا تم استخدام أحد الفصول التي تم بنائها قبل الإنتهاء منه ولذلك كله كانت نموهب تقوم ببناء الفصول.

حين وصلنا كانت المهمة التي تنتظرنا هي ثلاث فصول كالتالي: إكمال بناء الفصل الثالث جدرانه وأرضيته  و وضع الجبس للفصل الثاني وصبغه وصبغ الفصل الأول. كنا ١٠ متطوعات و٣ متطوعين. صدقاً لم أتخيل المهمة شاقة ولا أعرف لماذا كنت أتخيلها عادية حتى بدأنا في جلب الرمل والجبس وجره في العربات وخلطه بالماء ونقله للفصول هنا بدا السؤال المنطقي لماذا لا يوجد خلاط كهربائي؟ ولأن الإجابة واضحة وهي لا يوجد كهرباء ولا ماء كافي! أدركت أن سؤالنا يقف جنباً لجنب مع المقولة الشهيرة لجان جاك روسو في كتابه الإعتراف والتي أوردها على لسان الملكة ماري انطوانيت : ” إذا لم يكن هناك خبز للفقراء دعهم يأكلون الكعك”. توالت الأيام ما بين عربات الرمل والجبس والخلط ، توالت الأيام ونحن منغمسون في العمل لا نبالي بكميات التراب والجبس التي تغطي ملابسنا وتزين وجوهنا نعم تزينها لأننا لم نعد نبالي بمسحها بل نتناول الغداء ونخرج من المدرسة للبيت بوجوه ملطخة ونفوس متصالحة نحن الذين كنا نتفحص وجوهنا في المرآة بعد كل وجبة لنتأكد من خلوها من بقايا الصوص أو الكريمة. في هذه الأيام شعرت بكل العمالة التي تقضي أيامها تحت الشمس لتبني بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا دون أن نكون معهم بامتنان الزنجبارين الذين كانوا ينظرون لنا كملائكة في مهمة عمل على الأرض فكانوا يمتنون لنا أكثر مما نستحق، لا أزال أتذكر استقبال الأطفال لنا أول يوم وهم ينشدون كلمات تصف كم نحن عظماء وذو مقام رفيع فقط لأننا جئنا لنبني فصول لهم فقط لأننا جئنا لنقدم واجبنا على هذه الأرض ونعمرّها! و لا أزال أتذكر رسالة ميزا (الفتاة المسؤولة عن تنظيف بيتنا) الرسالة الطويلة التي تودعني فيها وتشكر حضورنا لبلدهم لمساعدتهم ولبناء فصول لهم! امتنانهم العظيم لكل ما نراه أنا ومجموعتي شيء بسيط علمني ألا استصغر من المعروف شيء فمثلاً قد يتردد البعض أحيانا في تقديم شيء لشخص لأنه يرى هذا الشيء تافه وهو ما حصل مع صديقتنا صفاء من السودان حين خجلت من إعطاء كيس حلوى معها للعاملات في البيت فأخذته وأعطيتها لواحدة منهن، أذهلني امتنانها حتى أنها طلبت رقمي وأرسلت لي في المساء عدد من مقاطع الفيديو لطفلها وأطفال اخوتها وأطفال الجيران بيدهم الحلوى يغنون لي ويشكرون! إذا علمتني زنجبار الامتنان وعدم استصغار أي معروف.

زنجبار سياحياً

بجانب العمل التطوعي كان هناك برنامج سياحي للوقوف على جمال زنجبار. كان المساء مخصص للسياحة والأنشطة، أغلب ما مرّ بي في المدونات والفيديوهات السياحية عن زنجبار قمنا به:

– ستوون تاون : تجولنا مع مرشد سياحي في هذه المدينة القديمة المدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي والتي أخذت اسمها (المدينة الحجرية) من بناء مبانيها من الأحجار والصخور المرجانية وتعكس المدينة الحضارات العربية والأوروبية والهندية التي مرت عليها إذ يبدو ذلك في عمارتها وأبوابها الخشبية وأماكن العبادة المتنوعة فيها والتي تعتبر إشارة على تنوع الأعراق التي استوطنتها.

– ذهبنا في جولة في المركب وقت الغروب مع عزف موسيقي حي عظيم لمزيج من الموسيقى السواحيلية والعربية. العروض لهذا النوع من الجولات أعتقد كثيرة يستطيع السائح اختيار ما يناسبه أيضاً بعضها يقدم مأكولات خفيفة ومشروبات.

– زرنا مزرعة التوابل: لا أعتقد أنها ستسقط من قائمة أي شخص يزور زنجبار المعروفة باسم جزيرة التوابل والتي حين عدت منها سألتني زوجة أخي عما إذا كنت قد أحضرت قرنفل. صحبنا مرشد في الجولة حول الأشجار يعرف بكل واحدة ويشجع حواسنا لتتعرف عليها كما صحبنا آخرين يصنعون من أوراق الشجر أساور و قلادات وتيجان لنا. شاهدت مزرعة التوابل في الكثير من الفيديوهات وكان مشهد الرجل الذي يصعد شجرة جوز الهند الطويلة بسرعة وهو يغني من أكثر المشاهد التي شدتني وتمنيت تجربتها وبالفعل جربتها وإن لم أستطع تجوز ربع الشجرة (ربما لأني لم أكن أغني).

 جزيرة السجن : كان يتم احتجاز العبيد فيها ثم المصابين بالحمى الصفراء أما الآن فقد أصبحت بما فيها من بقايا السجن معلم سياحي يضم فندق وخدمات أخرى كذلك تضم الجزيرة السلاحف العملاقة  بأعمارها المسجلة على ظهرها ويستطيع السياح إطعامها والتصوير معها (بالمناسبة هل تعض السلحفاة وهل عضتها مؤلمة؟ هذا السؤال كان مثار جدل بيننا ).

– قضينا مساءنا الأخير على أحد الشواطئ الرملية الخاصة واستمتعنا بجلسة حول النار وعشاء لذيذ. صفاء المياه وزرقتها والرمال التي لا تسخن رغم الحرارة من أكثر الأشياء التي طالعتني عند البحث عن زنجبار وربما هذا ما يفسر كثرة السياح الأوروبيين فيها: شواطئ عظيمة وتكلفة قليلة.

درس القهوة: حضرنا درس قهوة في مقهى بزل للقهوة المختصة مع ليو (صاحب المقهى ومعدّ القهوة الشغوف بها). هذا النوع من الدروس كما أشرت في تدوينة أكثر من سفر من أهم الأنشطة التي أحب ممارستها في السفر.

زنجبار مع مجموعة

هي المرة الأولى لي التي أسافر فيها مع مجموعة لا أعرفها فغالبا ما أسافر وحيدة أو مع الأصدقاء أو العائلة. كان السفر مع مجموعة الإضافة الثالثة لي بجوار التطوع والسياحة. كانت المجموعة عظيمة استثنائية أضاف لي كل فرد فيها إضافة على المستوى الشخصي المعرفي والعاطفي كذلك علمتني أن العمل مع فريق ينجح وفقاٍ لشخصيات الأفراد فيه، ومن حسن الحظ أن جميع الأفراد كانوا على مستوى عالي من اللطف والجدية والتعاون والهمة العالية والإحساس بالآخر، كان الجميع يتعاملون وكأنهم يعرفون بعض منذ زمن طويل. كانت نورة من السعودية تطرح في كل ليلة سؤال يبدو سهل لكنه يغوص بكل واحد منا في أعماقه وأعماق الآخرين من نوع: ماهي موهبتك؟ ما الوظيفة التي تعتقدون أنها تناسب فلان؟ وهكذا نقضي المساء باكتشافنا و إكتشاف الآخر. كان يوسف من عمان (مدير المشروع ومتطوع سابق مع نموهب) يسأل من ليلة لأخرى عن أثر الرحلة وكيف وجدناها، في أول مره تركزت الإجابات حول المجموعة وانطباعاتنا عن المجموعة في آخر جلسة تركزت الإجابات على تأثير تجربة التطوع علينا وعلى أحاسيسنا ومشاعرنا ومن هذه الجلسة ما تعلق في قلبي وسيظل معلق كفاطمة من الكويت حين قالت :” أفكر إن على الأرض مصادر تكفي كل البشر لكنها ما تتوزع بعدل” ونورة حين قالت :”في الباص في أول يوم كنت أتأمل البيوت والناس وأفكر كيف ممكن يحسنون من بلدهم ويطورون مجتمعهم خصوصا إنهم في مجتمع بسيط وبعدين لما رحت المدرسة وشفت الأطفال كانوا يلعبون بالقمامة ومبسوطين، فكرت إنهم مبسوطين بس مايعرفون ايش يستحقون بالضبط لأنهم يستحقون أشياء أفضل من كذا بكثير خصوصا الأشياء الرئيسية التعليم و جودة الحياة” و أماني من عمان حين قالت:” هذي التجربة خلتني أقول الحياة كتاب ليست كل فصوله سعيدة” و أسئلة سعيد من عمان :” من أول يوم وأنا أفكر ليش هم مو أنا ؟ ليش أنا خذيت هالوضع في الحياة وهم لا؟ ليش أنا استحقيت أكثر منهم ؟” و يوسف حين قال :” في تجربة مثل هذي المفروض تفكرون بالأثر اللي سويتوه للناس وللأطفال وكيف تطوعكم رح يأثر عليهم وعلى حياتهم على المدى البعيد أكثر من كيف أثرت هالتجربة عليكم”. أخيراً جاءت عبارة متأخرة لأماني التي قضت أسبوعين متطوعة في زنجبار لتكون مثل صدى يتردد حتى الآن في ذهني :” أول ما أرجع بأسوي ديتوكس روحي بأتخلص من العلاقات اللي مالها قيمة  وتزعجني” أعتقد أن هذه الرحلة قد تغلغلت لأعمق من السطح لدى بعضنا.

تصوير: نورة
تصوير: صفاء

كتجربة كاملة لا أستطيع اختزال الرحلة في تدوينة وإن كنت أطلت وأطلت لكن محاولة كهذه محاولة فاشلة لاختصار حياة في كلمة لكني سعيت جاهدة لأن أذكر شيء من وعن تلك الحياة علّه يشجع راغب أو يثير الحماسة لمن يستمع لأول مره وإن حصل ذلك بالفعل فتوجهوا لموقع نموهب واقرأوا أكثر عنهم وعن مشاريعهم إن لم يعجبكم البناء هناك التدريس والخدمات الطبية ومشاريع الإستدامة. أخيراً إن قررتم الذهاب وبمقدوركم أخذ هدايا للأطفال فافعلوا هذه واحدة من الأشياء التي ندمت عليها، حين سألنا عن الهدايا تم إخبارنا أن عددهم بالآلآف ومن الصعب إعطائهم جميعاً! الآن ندمت إذ كان من السهل علي توفير الهدايا للآلاف من خلال جعلها مشروع صغير بيني وبين الأهل والأصدقاء ولن يزعجني نقلها خاصة وأنه لم يكن بصحبتي سوى حقيبة صغيرة. أيضاً إن كنتم تحبون خذوا معكم مبالغ مالية موزعة في أظرف توزعونها على من يخدمكم أو يعمل معكم. لا تكاسروا! وهي القاعدة التي مع الأسف لم أتبعها في أول أيام التسوق لكثرة ما سمعت أن سعر السلعة مضروب في ٢ وأن علي أن أطلب من البائع السعر الأقل مباشرة ورغم أني لا أتذكر أني سبق وفعلتها سواء في السعودية أو خارجها إلا أني فعلتها وندمت في زنجبار قبل أن أتنبه لفكرة: لما لا أعتبرها صدقة تعطى مع المحافظة على كرامة الشخص بدل أن أعطيه مال دون سبب على الأقل اشتري بضاعة بضعف حقها! حين تنبهت لهذه الفكرة كانت البائعة العجوز قد خصمت لي بعد المكاسرة ٢٠ شيلينق من قيمة القطع التي اشتريت سلمتها المبلغ مع العشرين وقلت غيرت رأيي لا حاجة لردها رفعت يدها وبدأت بالدعاء. وفي سياق الشراء كذلك اشتروا ولا تبخلوا حتى وإن لم تكونوا بحاجة ماسة أتذكر أني مره كنت في إحدى قرى جازان في السعودية ومررنا ببقالة في بيت قديم أخبرنا المرشد أنه من الجميل لو اشترينا أي شيء من هذا البيت فهي وسيلة لمساعدتهم هم الذين لا يمرهم سوى قلة من الناس كذلك تذكرت منار في تعليقها على دفع أسعار أعلى من قيمة السلع في سيرلانكا وعدم التدقيق:” كل ما ندخل بلد أنا وأمين ندعي :اللهم ارزقني وارزق مني” فعلاً اللهم أرزقنا خير ما في هذه التجارب و أرزق منا ومن خيرنا..

 

مَخرج

26f1ca3b-13b7-45de-855b-fdf7c2007197
الفصول الثلاثة بعد إكتمالها من تصوير سالم

* هكونا ماتاتا: عبارة سواحلية معناها لا تقلق، لا تخف ، لا مشكلة

إجازة نهاية الأسبوع: جازان

في السنوات الأربع الماضية تعلقت روحي برحلات نهاية الأسبوع، أفتح الخريطة واضع اصبعي على مدينة أوروبية ثم (هوبا) أقفز لها. ليلتين كانت كافية لإنعاشي وإعادة ترتيبي داخلياً أعود بعدها بكل حماس ونشوة للعمل. مع الأسف منذ عدت للسعودية في أكتوبر ٢٠١٨ افتقدت هذه العادة (بإستثناء رحلتا جدة و أوشيقر) لعدة أسباب ربما احتاج تدوينة أخري لمناقشتها. في ٢٠١٩ سمعت من الصديقات نفس النصيحة بعدة صياغات (تحتاجين تسافرين، فاقدة السفر أكيد، ليه طيب ما ترجعين تسافرين، السفر كان يعني لك أكيد هو اللي مأثر ع نفسيتك) وفي ليلة كانت صبغتها الأساسية الضجر جاءت جازان في وقت غير متوقع كاقتراح مفاجئ جداً من ريمتو : “جازان؟؟ تشوفينها ؟ أنا مره أشوفها”. أجبت: “ايه”. الحقيقة كانت مشاعري محايدة لم أرها في وقتها جيداً، أقصد لم أكن متحمسة ولم أرى أني سأسافر إلى جازان فعلا نهاية الأسبوع لكني اخترت الموافقة.

تواصلنا مع مرشدة سعودية في جازان سبق وأن خرجت في جولة سياحية في جازان مع صديقاتي العام الماضي و بعد تحديد العدد رتبت لنا جدول بتكلفة محددة لكل شخص لمدة ثلاث أيام من الخميس إلى السبت يشمل زيارة فيفاء والعيدابي والداير وجزيرة فرسان وجبال القهر، يشمل حجز فندق ليلتين ومواصلات (عدا الطيران) ووجبات الفطور والغداء.

اليوم الأول: استقبلتنا المرشدة في المطار بسيارتها الخاصة ثم انطلقنا لمطعم قصر غمدان تنوعت الوجبات مابين المرسه والفول ومغشات خضار ولحم. ربما لا أستطيع تقييم جميع الأطباق لأني لم أتذوقها جميعها لكن الفول ومغش الخضار كانت لذيذة جداً ودافئة وتحتضن المعدة كما تصف صديقة لي الطعام اللذيذ. انطلقنا لفيفاء وجبال العيدابي وبني مالك ، يحتاج الصعود لجبال فيفاء سائق محترف وخبير بالمنطقة وصعودها. في الطريق إلى فيفاء توقفنا عند سد جازان وعند العيون الحارة قبل أن نكمل المسير لجبال فيفاء ثم نستعين بشخصين من المنطقة ليكونوا دليلنا هناك. توقفنا عند مزارع موز ومنجا وقهوة في داير بني مالك تابعة لبيوت ناس ومزارع أخرى (:

اليوم الثاني: جبال القهر في محافظة الريث وما أدراك ما جبال القهر! الجبال التي تصعدها كوسلية صادقة وموضوعية لإختبار من أين جاء إسمها! انطلقنا فجراً بصحبة فريق Jazan Discover  والأستاذ فيصل الريثي والعم موسى الريثي من جبال القهر وقد كانا المرشدان الفعليان في هذه الرحلة بالإضافة لمرشدتنا ومرشد آخر، الأخيران كانت المرة الأولى لهم في جبال القهر، انطلقت المجموعات في سيارات دفع رباعي (لا تسمن ولا تغني من خوف بالنسبة لي). أعتقد أني تعرفت على الموت عدة مرات في طريق جبال القهر صعوداً ونزولاً (شكراً للصديقات اللاتي قمنا أكثر من مره بتبديل الأماكن لأكون في أكثرها أمن وطمأنينة وشكراً لأحضانهن التي فتحت لرأسي حتى لا أري أي جحيم أعبر). أذكر أني طوال الطريق أسأل المرشد هل اقتربنا وعندما يقول لا أعلق :”كل هذا و مو قهر؟! ضيم أجل”. الوصول إلى الجبال يعني الوصول لمنطقة تجعلك تتنفس الصعداء وتقول: كان الأمر يستحق. الإرتفاع الذي تكون عليه من الأرض وكل هذه الجبال المحيطة بك والسحاب الذي يدنو منك تجعلك تحمد الله أنك بكل جبنك صعدت إلى هنا إلى منطقة لم تنهكها أقدام البشر إلى هذا المكان القصي ذو الطريق الوعر والمركز الصحي الوحيد الذي يزوره الأطباء على ما أتذكر مره في الأسبوع و لا يسكنه سوى سبع عائلات أما البقية فاختارت المغادرة لمكان بخدمات أفضل. تحيط بجبال القهر الأودية ومن أجملها وادي لجب الذي تمنيت لو أن الوقت أسعفنا لزيارته. قضينا الوقت نتمشى حول المنطقة ثم مسترخين على الجبل نستمتع بالقهوة الخولانية التي قام بتحميصها أمامنا فيصل الريثي وهو يردد من الأهازيج مالا نفهم كلماته لكنه يلمس أرواحنا في الوقت ذاته كانت وجبة الغداء تطهى و المغشات حاضرة. أخيراً، القهر أكبر من صعود مرتفع إذ يحتضن منطقة أثرية اكتشفت فيها آثار ومقابر ونقوش وجماجم وأسرّة قديمة (وفقاً لما قرأت).

 

اليوم الثالث: الخطة كانت لفرسان لكن (اغفري للموج والريح والسفينة) لم تتواطئ الأرصاد الجوية مع مخططاتنا كان الموج عالي والرياح شديدة والأمطار متوقعة فعدلنا عن فرسان وتحولنا لجزيرة أحبار (إحدى جزر جازان) ولصيد السمك.. القارب الذي نقلنا لها كان قارب بهواية ركوب أمواج. توقف المركب في منطقة لصيد السمك جرب البعض الصيد ومارسته باحتراف المرشدة وقائد المركبة بعدها عدنا لشاطئ الجزيرة ولإحدى الجلسات المرتصة حول الشاطئ والتي تقدم فيها وجبة الغداء والمشروبات الساخنة.

ضوء هذه الرحلة الذي لن يخبو هو أهالي جازان الطيبون وصوت فيصل الريثي العذب وجبال القهر وجلستها وجميع رفاقها.

ما فاتني وتمنيته تمنيت أن أزور أسواق شعبية لكن لم يسعفني الحظ والوقت إذ حين بحثت وجدت الأسواق بالأيام ومتوزعة على مناطق مختلفة من جازان ليس فيها ما يناسب وقتنا وخطتنا. تمنيت أن هناك حقول واسعة وممتدة للقهوة والموز والمانجا أزورها وليست مجرد مزارع تابعة لبيوت ناس. تمنيت لو كانت هناك طريقة لصعود الجبال أو جزء منها مشياً بدلا من السيارات، بعيداً عن الخوف أنا من الأشخاص الذين ترهقهم السيارات ويرهقهم قطع طريق طويل من هذا النوع أو رحلة كاملة بسيارة.

ترغب في قضاء نهاية الأسبوع في جازان: اطلع على جميع العروض الموجودة في السوق واختر منها ما يقدم البرنامج المناسب لك ويتناسب مع ميزانيتك خاصة أنه الآن توجد العديد من المجموعات السياحية التي تقدم هذا النوع من الرحلات حتى أننا التقينا بفتيات قد خيموا في فرسان مع مجموعة مسارات masaratclub. لو قرأت مسبقاً عن أماكن معينة ويهمك المرور بها أطلع المرشد على ذلك قبل الاتفاق على الرحلة. اضغط زر إيقاف للوجبات الغذائية المعتادة وفعّل زر الوجبات الجيزانية التقليدية. جهزوا قائمة أغاني جميلة تليق بالطريق وجباله (:

أما بعد أصبحت كلي حماس لرحلات نهاية أسبوع مماثلة تغطي مااستطاعت من ربوع بلادي..

مدن الدهشة: مالطا

مالطا الصغيرة والتي تكاد تضيع في أحضان البحر المتوسط وتحت قدم إيطاليا، إلتقطتُها يوماً ما فجأة من الخريطة وقررت زيارتها. تمتد مالطا على ثلاث جزر: مالطا وجوزو وبينهما كومينو الصغيرة جداً بسكانها الثلاثة وفندقيها وشاطئها الشهير (بلو لاقون). في الحقيقة مالطا واحدة من مدن الدهشة بالنسبة لي، الدهشة التي رافقتني طوال زيارتها والدهشة التي أعتقد أنها ستعود لي إن عدت لها مره أخرى. الدهشة التي تشعر بها حين تزور جمهورية بحجم بيت الجد الكبير، بلد لم تنهكه أقدام السياح لذا مازال أهله يعلقون ملابسهم على الشبابيك وخارج البلكونات ومازالت طرقاته متعرجة وبناياته قديمة بلون التراب تخفف من هيبته المشربيات الملونة أحمر أزرق أخضر وأصفر .

trabuxu boutique living أقمت في هذا الفندق البوتيك ذو الأربع نجوم في مدينة Valletta  فاليتا – عاصمة مالطا، يعود تاريخ الفندق لقصر عمره ٣٠٠ سنة كما أخبرتني موظفة الاستقبال وكما أستطيع التخيل من التصميم المعماري له والمادة المبني منها والانحناءات التي تم استغلالها باحترافية. صاحب الفندق كما تقول الموظفة هو مهندس معماري وهو ما يفسر الإعتناء بالتفاصيل حتى أني لا زلت أتذكر و يتذكر من حولي من الرفاق ممن تابعوا الرحلة على السناب شات كيف تنزوي دورة المياه في الغرفة بشكل ذكي ومبتكر كمغارة. يتكون الفندق من دورين ويحتوي على ١٩ غرفة، ذكرني التصميم نوعاً ما بالبيوت العربية في دمشق، بأرض الديار والساحة في المنتصف حولها الغرف. فندق حميمي بتاريخ عريق والموظفين لطفاء ( لا يتواجد الموظفان طيلة اليوم بل فقط إلى الساعة ٨ م  لذلك الفندق مغلق مساءً والدخول له بالبطاقة).

حديقة البركةBarrakka Garden حديقة عامة بإطلالة بانورامية على الميناء، التجول فيها خصوصاً قبيل المساء له لذة مختلفة ودفئ فريد، مناسبة كمحطة استرخاء بين معلمين أو نشاطين. غالباً ما تكون هناك حفلات موسيقية.

قرية باباي Popeye village موقع صغير شمال غربي مالطا تم بناؤه ليكون موقع تصوير لفلم باباي الشهير ثم أصبح مزار سياحي يبعد عن العاصمة قرابة ساعة بالباص وثلث ساعة بالسيارة ( سيارات الأجرة رخيصة في مالطا كما هو كل شيء) مإ إن دخلت القرية حتى استقبلني باباي وزيتونة وبلوتو و كالعادة كان باباي يتشاجر مع بلوتو من أجل زيتونة. أغلب زوار القرية عائلات مع أطفالهم. بنيت القرية على البحر ببيوت ملونة من الخشب تصطف على تلة، منظر البيوت تطل برأسها لتلقي التحية على البحر يأخذ الأنفاس.

جزيرة جوزوGozo Island إحدى جزر مالطا يمكن زيارتها كرحلة يوم واحد وبالنسبة لي كانت نصف يوم حيث توجهت نهاراً بالعبارة التي لم تكلفني على ما اتذكر سوى ٢٠ ريال ولم تأخذ من وقتي سوى نصف ساعة من فاليتا العاصمة إلى جوزو. حين وصلت جوزو لم أفكر كثيراً في خياراتي في اكتشاف الجزيرة إذ كنت أرغب في استغلال كل دقيقة دون احتمالات الضياع أو الحيرة لذلك بمجرد نزولي من العبارة أخذت تذكرة للباص السياحي الموجود عند الميناء ورغم علاقتي المضطربة مع الباصات السياحية في أوروبا حيث أدفع لها وبمجرد الوقوف عند أول نقطة في الرحلة أنزل ولا أعود لها و انطلق مستخدمه باص قدمي السياحي غالباً! لكن في جوزو ظللت صامدة في الباص الذي بدأ يلف الجزيرة مخترقا الطريق الممهد له عبر الجبال، ماراً بالمعابد والأراضي الزراعية إذ تعتبر جوزو منطقة ريفية زراعية تكثر فيها حقول الفاكهة والخضار، بالمناسبة فيها منطقة تسمى (نضارة). في جوزو يغطي الناس أبواب منازلهم بقطعة حصير تسمى بالمالطية (حصيرة) للحفاظ على خشب الباب من الشمس لئلا تتلفه. يقف الباص في عدة نقاط منها حقول وكنائس وسوق شعبي يبيع المصنوعات اليدوية والأطعمة كذلك يقف في نقطة قريبة من البحر حين نزلنا لنصعد الجبل المطل على البحر استوقفتني سيدة وجدت لنفسها محل صغير بين الصخور تبيع فيه كنزات شتوية تحيكها بنفسها ولا يكلفك الواحد منها سوى ٨٠ ريال والكثير من الدفئ والحب.

سانت جوليان إلى سليما، بعد جوزو انتهيت مساء إلى سانت جوليان مدينة ساحلية تشتهر بحياة الليل حيث تصطف المقاهي والمطاعم على التلة وأسفلها البحر. لم أتبع أي توصيات للمطاعم أو المقاهي بل اكتفيت بالمشي بينها والاطلاع على قوائمها وأشكال الأطباق والمشروبات ثم البحث عما إذا كان هناك إشارة لتقييم عالي للمكان وسرعان ما اخترت أحدها واخترت طاولتي المطلة من الأعلى على البحر واستمتعت بالمكان وطاقته قبل الأكل. قطعت الطريق مشياً بمحاذاة الساحل لمدينة سليما ( يقال أنه نسبة للسلام) المدينة  كانت قرية صيد قديماً قبل أن تتحول مدينة سكنية اقتصادية وسياحية. المسافة بين المدينتين نصف ساعة مشي تقريباً. قد يختار السائح إحدى المدينتين للسكن حيث تكثر الفنادق وتمتلئ بالسياح لكني اخترت العاصمة وفندق القصر المندس بين المنازل في حي قديم.

كافيه كورديانا Caffe Cordina رغم التوصيات التي في صف هذا المكان الذي يتجاوز عمره المائة والسبعين ورغم ظهوره في أحد الوثائقيات التي شاهدتها عن السياحة في مالطا إلا أن تجربتي معه لم تكن جيدة لكن سأعزو ذلك لاختياري لطبق غير موفق.

عموماً:

التجول في مالطا لم يشعرني بأني أتنقل في بلد بل في مدينة بمعنى أخرج أول النهار في رحلة بحرية مدتها تقريباً ١٠ دقائق من العاصمة لثلاث مدن أخرى كما هو الحال إلى Vittoriosa, Senglea and Cospicua  أتجول في هذه المدن وأعود قبل العصر للعاصمة، أمشي من مدينة لأخرى أو أجوب جزيرة بكاملها بالباص كما حصل في جوزو.

أنصح بزيارة مالطا للأشخاص الذين يقضون إجازتهم في إحدى دول أوروبا أو يقيمون في أوروبا فترة طويلة، من باب التغيير جربوا مالطا لن تستغرق منكم سوى ليلتين فيها ستزورون جمهورية بأغلب مدنها (: كما أني متأكدة أنها ستكون مختلفة تماماً عن المدن التي تعودتم على زيارتها أو السماع عنها، الشيء المختلف أنها ستمنحكم كمدينة مختبئة على الخريطة الصدق والبساطة التي باتت تفتقدها كثير من مدن أوروبا السياحية الشهيرة.

اللغة المالطية تشبه العربية وربما لاحظتم ذلك في بعض الأسماء التي ذكرتها حتى أني راودني الشك أكثر من مره أن المتحدث أمامي يتحدث العربية، هناك العديد من الكلمات في المالطية هي كلمات عربية فعلاً. أخبرني مقيم ليبي أنهم في مالطا يتحدثون العربية وأعتقد بعد القراءة أنه يقصد العربية الصقلية القديمة.

مالطا آمنة لا شيء فيها يستدعي الخوف أو القلق هذا من واقع تجربتي كمسافرة وحيدة تقضي النهار والليل في الشوارع، ناسها لطفاء جداً ودودين ومرحبين يبادرونك بالحديث ببساطة دون تدقيق كبير فيما يجوز قوله ومالا يجوز، تحدثت مع مارة يقطعون الطريق لأعمالهم ومع قادة سفن وباعة وعابرين كل شخص كان صدره أرحب من الآخر.

المواصلات العامة متوفرة في كل منطقة وفي كل وقت وبأسعار رخيصة سواء باصات أو عبّارات، بالمناسبة الباص من المطار لمكان الفندق لم يكلفني سوى ٢ يورو. سيارات الأجرة أيضاً رخيصة.

أخيراً بشكل عام كانت مالطا من أكثر الأماكن التي شدت المقربين مني وأنا ألتقط صور وفيديوهات لها في السناب شات وأتمنى أن تشدكم هذه التدوينة لزيارتها (:

 

الطبخ كحيلة نجاة

IMG_6260

منذ أربع سنوات تقريباً تعلمت حيلة جديدة للقفز على الضغوط والنجاة من نزلات المزاج، هذه الحيلة هي الطبخ بحب والخبز بشغف حيث انخرطت سنة وراء سنة في ممارسة الطبخ وتجريب الوصفات الجديدة وخبز الخبز والكعك كمحاولة للتخفيف من التوتر والقلق والتنفيس المحمود أيضاً. تفننت في إدارة حيلتي فاتجهت للأكل الصحي الذي يستدعي قائمة تسوق خاصة وإعداد كافة تفاصيله في المنزل مما يجعل إعداد طبق ما بمثابة مشروع تعمل عليه جميع الجوارح ويساعد ذلك بشكل كبير في التخفيف من الضغوط والشعور بالإسترخاء. الحقيقة أن هذه الحيلة كانت ناجحة ١٠٠٪. إذ أنخرط تماما في الطبخ وكلي حماس ونشاط وتركيز ثم يأتي شعور الفخر حين تنجح الوصفة التي لاحظت أنها في هذه الحالات تكون من أنجح ما طبخت وأكثره لذة. أتذكر تعجب صديقتي هتاف من حالة انشغالي بالطبخ والخبز قبل مناقشتي بأيام قليلة وتعليقها الساخر لاحقاً ” والله اني محترمة اللي تعانين منه عشان كذا مخليتك تطبخين اللي تبين” وصل بي الفن في إدارة الضغوط في ذلك الوقت إلى لف أعواد من الخيار والجزر في ورقة خس وتثبيتها بعود خشبي على رأسه حبة طماطم كرزية، صنع المربى وأنا التي لم اشتريه في حياتي مطلقاً، خبز الكوسة والموز، إعداد جبنة الكاجو، تجفيف الطماطم، خبز الفوكاتشا الإيطالية وإعداد حمص اليقطين وحمص الشمندر. الآن وأنا أمر بعدد من الضغوط وبعض القلق أتشبث بحيلتي للنجاة، أخبز الكعك وأنشغل بشراء قوالب السيليكون والأكواب المعيارية الملونة والمزخرفة، أجهز السلطات وأنشغل بالمشي يومياً إلى الدانوب بكيس قماشي يعود بالخضروات التي يقع عليها الإختيار، أجرب طبق جديد وأنشغل بصف مقاديره على طاولة المطبخ وإدارة الأسطوانة على الجرامفون بما يتناسب مع مزاجي ومزاج الطبق.

لحظة لحظة! تعرفون ما الذي جاء بالمقدمة الطويلة أعلاه؟ ما الذي جاء بهذه التدوينة أصلاً؟  طبق فلافل منزلي (: لكم أن تتخيلون أن حبات فلافل ولدت كل الكلام السابق والأفكار المتسارعة في ذهني عن علاقة الطبخ بالتوتر والضغوط لدي.

اليوم حين انصرفت من الدوام مرهقة للغاية قصدت الدانوب عوضاً عن المنزل، حبة ليمون واحدة، بصلة واحدة وكزبرة ثم ماذا؟ ثم أعود للمنزل من أجل الحمص المنقوع منذ ليلة البارحة. انشغلت بإعداد الفلافل والحمص ضمن مشروع عمل جاد وممتع يشرف عليه Ella Fitzgerlad & Louis Armstrong  و Sam Smith حتى انتهينا بالطبق في أعلى التدوينة وهنا الوصفة التي جعلتني أثرثر وأكتب تدوينة:

كوب حمص منقوع ليلة

عصير ليمونه صغيرة

ملعقة دقيق

قليل من الملح والفلفل الأسود

كمون

بقدونس وكزبرة ( الكمية حسب رغبتي)

بصلة صغيرة

ملعقة شاي بيكربونات الصوديوم

تخلط جميع المقادير في محضرة الطعام ثم تكور العجينة وتشكل حبات فلافل وتوضع في القلاية الهوائية لمدة ١٤ دقيقة حتى تحمر ثم تقدم مع الحمص والخضار المفضلة وبالهناء والعافية..

ملاحظة: الفلافل كانت ناشفة خالية تماماً من الزيت وهو ماقد لا يروق للبعض لذلك من لا يرغب فيها ناشفة عليه قليها في الزيت أو ربما دهنها بالزيت..

شكراً للفلافل حيلة النجاة لهذا اليوم.. ماذا عنكم هل سبق وجربتم الطبخ كحيلة للنجاة؟