شقة 14: يوم من حياة بناية

السكن في شقة ضمن عائلة من الشقق الموزعة على عدة طوابق يحولك لمراقب من الدرجة الأولى ، هاوي ملاحظة، يراقب، يحلل ويدون ملاحظاته بشكل خفي .. يحولك أيضاً لكاتب لا يملّ اختلاق القصص للأفراد من حوله، خياله يقتات على حركة الشقق وسكانها، ستجد نفسك تخلق لكل جار وجارة قصة ترسم تفاصيلها وتكون الوحيد المسؤول عن حبكتها دون علم أبطالها ..

البطل الرئيسي

حارس برتبة مدير، يوبخك لأنك تقود سيارتك بسرعة ولا تستطيع طبعاً التشكيك في أقواله فهو هنا 24 ساعة حتى وإن لم تراه! بلطف يحلف بطريقته الخاصة بأنه هو الذي سيحمل أكياس التسوق خاصتك ولا يثنيه رفضك وشكرك فأن يكسب معك ثرثرة تمتد صعوداً لمسافة طابقين هي بالنسبة له وجبة دسمة يغري بها جار آخر ليحمل أغراضه ويثرثر معه. هذا النوع من الثرثرة ثمنها بالنسبة له مجرد حمل بضعة أكياس و من يدري قد يتبع هذه الوجبة تحلية من نوع خاص إن أشبعت فضوله وسمحت له بوضع الأكياس داخل الشقة وليس عند عتبة الباب عندها سيلبس قناع المقاول سريعاَ ويلومك على التعديلات التي أحدثتها في مدخل الشقة ويصفق لتعديلات أخرى ويمرر بعض الاقتراحات قبل أن يسمع منك شكراً القاطعة والتي تعني (مع السلامة). مع حراس البنايات تعود لك حلقة when the doorman is your main man من مسلسل Modern Love كل مايدور في البناية يدور تحت نظره وبامتيازات أهمها كاميرات مراقبة وحدة من يملك مفاتيح شاشاتها. يعرف الحارس ساعات دخولك وخروجك ومن بصحبتك وبأي أغنية كنت تترنم عند نزولك من السيارة وشكل مزاجك في الصباح وهل تصطحب كوب قهوتك معك من المنزل أم تشتريه ولديه سجل لكل علاقاتك وتقييمات لها أيضاً. أفكر أحياناً أن حراس البنايات من الضروري أن ترفق أسمائهم وبيانات التواصل معهم كمرجع عند البحث عن عمل أو شريك حياة.

5:30 صباحا

تستيقظ شقق البناية كل واحدة على طريقتها الخاصة. أعرف أن الجار في شقة 10 استيقظ بمجرد أن أبدأ في السعال كإشارة على أن أنفي التقط دخان سجائر قادمة من البعيد.. صوت القرآن بدأ يتسرب في الممرات، الأم في شقة 3 استيقظت وبعد نصف ساعة ستوقظ طفلها.. حتى لا يفتقدني أحد منهم وحتى أطمئن الجميع أني استيقظت (إن كان يعنيهم كما أتخيل) ما أن أفتح عيني حتى أدير الراديو على محطة Swiss Jazz.. حليب الزنجبيل يغلي وتنتشر رائحته في البناية إذا العائلة في شقة واحد قد استيقظت.. صوت الخلاط الكهربائي يبدأ بارتباك ثم ينطلق بسلاسة هي طريقة السموثي الأخضر ليخبر جميع سكان البناية أن الجار ذو العضلات المفتولة مستعد للخروج.. الأطفال دون سن المدرسة وأصحاب الشركات ومن لا عمل له لا يشارك في جلبة الخامسة والنصف.. أصنفنا في ذهني لحزبين : حزب الخامسة والنصف وحزب إلى أن يشاء الله. الأخير نائم إلى أن يشاء الله لجنبيه أن تشتكي من مرتبة السرير أو أن يذكره منبهة أن هناك عمل عليه أن ينجزه أو غداء عليه أن يحضرّه..

3:30 مساء

وجبة الغداء في البنايات تقول الكثير عن قصص أصحابها.. الأم في شقة خمسة المقابلة لشقتي والتي لم أتقاطع معها ولو مرة أعرف أنها تقدم وجبة الغداء عند الساعة الثالثة والنصف.. عند الثالثة يبدأ صخب : أغسلوا أيديكم، ساعدوني في ترتيب السفرة، أحضر الماء ، قرب الكراسي من بعضها وضع غطاء السفرة.. عند الثالثة والنصف تماماً موعد اتمامي لإدخال الرقم السري في مفتاح باب شقتي بعد العودة من الدوام كل يوم اثنين تدخل معي رائحة الطاجن القادمة من شقة 4، أكتفي بالسلطة يوم الإثنين حتى لا أفسد على الجارة رائحة الوطن ولمة العائلة وطعم الحنين..

الجيران في الطابق السفلي تقدم وجبة غدائهم عند الثالثة والنصف تماماً، موعد عودة الأب من العمل و إيقاظ الأطفال من قيلولتهم.. غداء أمهات حقيقي، كبسة (مكشنّة) يبدو أن الأم وضعت كل حب الدنيا الذي تحكي عنه شرين فيها حتى أن رائحتها تطاردني أثناء صعود الدرج لتعيدني لأيام الطفولة والمراهقة وكبسة أمي المتقنة. نعم كبسة الجارة متقنة أتخيل كيف أن البصل مقطع بدقه مكعبات صغيرة جدا ومتبل بطريقة موزونة لا يطغى فيها طعم على أخيه أما حبات الأرز فقد تم طبخها بعناية لم ينهرس شيء منها ولم يستعصي شيء منها على الطبخ. صدقاً في كل مره أشم كبسة الأم أصلي وأنا أصعد لشقتي علّ الله يكرمني ويكون لي نصيب من هذه الكبسة من باب الجار للجار أو الجار أولى بالمعروف أو حتى كحق جار على جاره أن لا ينبش كل هذا الحنين في صدره ثم يتركه ليرويه بعدس وبرغل خشن.

أول شقة في الدور الأرضي عميل مميز لجاهز ، أعترف أن الفضل يعود له في تعريفي بأن هناك مطعم اسمه (أميمتي). يبدو أن الجار من نوع ” أنا عندي حنين” لكنه يعرف جيداً ان حنينه لطبخ الأمهات لذا يتناول غدائه من يدّ (أميمتي). أتساءل لأي درجة يمكن أن يكون سعيي مشكور لو اقترحت على شقة خمسة أن تبيع كبستها على العزاب والعازبات في البناية من فريق ” عندي حنين” بمقابل مادي تكسب منه دخل شهري وتكسب معه مطابخنا ” ريح الأمهات”. عموماً إن نجح التفاوض مع الجارة فإننا حتماً سنتوسع ونطلقه على برامج التوصيل تحت مسمى ” كبسة جارتنا”..

سأمارس التجاهل تجاه بعض الشقق ولن أقف عندها كثيراً. مثلا: الشقق التي تستخدم الثوم1 بكثرة حتى لا تعدّ تميز ما إذا كنت في شقة أم في محل شاورما. الشقق التي تبدو قادمة من كوكب آخر لا تعي مخاطر الدهون ولا تقرأ عن انسداد الشرايان ولا يرعبها ارتفاع نسبة الكولسترول فلا يتسرب من شققها سوا رائحة الوجبات المقلية. أفكر أحياناً في دس مجموعة من أحدث الدراسات عن مخاطر الدهون تحت أبواب هذه الشقق علها تصادف لحظة وعي وبصيرة..

هناك شقق بيضاء، لا رائحة لها، لا توابل ولا بصل ولا خشخشة خضار طازج ، لا شيء لا شيء أبدا يمكنك من التعرف على هوية السكان ، نظامهم الغذائي، أسلوب حياتهم ، مواطن الحنين لديهم.. !  

7:00 مساء

أسميها قهوة المغرب مع أن المغرب بالنسبة لي هو وقت استكشاف أنواع الشاي والأعشاب طيبة الذكر، عرقسوس ، زنجبيل ولافندر، مرامية ..الخ . لكن الطقس العام في كل الشقق العائلية؛ قهوة! هيل برائحة حادة يتسرب من شقة ويصدم برائحة مسمار مندفع من شقة أخرى يلتقون في الممر كأنهم في مجلس سياسي قضيته أي شقة يغزون؟ طبعا سيقع اختيارهم على الشقق البيضاء التي لا تغلى فيها القهوة وفي خجل شديد أقول لا يوجد لديها بن من الأساس. اكتشفت مؤخراً طقس مصاحب لقهوة المغرب، طقس نسائي سري وقعت عليه بينما أنزل الدرج في أحد الأيام- بالمناسبة استخدام الدرج بدلا من المصعد في عالم البنايات يكشف لك العوالم الخفية للبناية- تجمع نسائي وشى به حذاء كالفن كلاين الفضي المتروك عند باب إحدى الشقق ! خرجت صاحبته فجأة لتبدو كمن يطمأن عليه لكن يبدو لي أنها أرادت أن تطمئن على الخطوات التي كانت تنزل الدرج، تريد أن تتأكد أن طفلتها التي تركتها نائمة في الشقة ليست صاحبة هذه الخطوات. فهمت أخيراً سرّ الضوضاء والأحاديث التي تخترق صمت شقتي في المساء ولا تستجيب لمحاولاتي اللطيفة لإسكاتها عن طريق فتح النافذة وإعادة إغلاقها بقوة.. هذه المنظمة السرية لا يصلني منها سوى جلبة لا أستطيع فك شفراتها ولا هوية أعضائها، كل ماأستطعت رصده عنها أنها اجتماعات يومية تبدأ بعد المغرب مباشرة وأخلد للنوم عادة قبل أن تنتهي. أيضاً العلاقة طردية بين الوقت وحماس الجماعة كلما تأخر الوقت كلما علَت الأصوات أكثر واختلطت ببعضها وتسائلت هل يسمع أحد منهم أحد أم مجرد تنفيس، الكل ينطلق ويفرغ مافي جعبته من ثرثرة قبل أن ينتهي الوقت المحدد!

10:30 ليلاً

الحارس يلعب (ببجي)، الأزواج في الخارج، الأطفال نصف نائم ونصف يغني (الغزالة رايقة) ، لازال اجتماع المنظمة النسائية السرية ممتد، جار حريص في كل ممرّ على أن يخفض إنارة المصابيح عند العاشرة وجارة2 حريصة تنزل لتغلق الباب الرئيسي للبناية دون أن تعبء بالأزواج حين يعودون من سهراتهم غاضبين مضطرين لإيقاظ زوجاتهم أو الحارس لفتح الباب..

1للأمانة الثوم خيال بحت بنايتنا بريئة منه

2الجارة الحريصة قد تكون أنا

رأيان على “شقة 14: يوم من حياة بناية

  1. من هو المخرج المحظوظ الذي سيعمل على هذا السيناريو!
    كأنني أقرأ مسرحية أو فلم قصير صامت حتى كأنني سمعت صوت النافذة وهو يُغلق.

    Liked by 1 person

  2. مذهله جداً منيرة
    اندمجت وانا اقرا بدون مااحس لقيتني في آخر سطر تمنيت اقرا اكثر 😂
    حبيت تفاصيل الساعه ٥:٣٠
    ابدعتي سلمت يدك ✨

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: