سافر على طريقتك

business-3268751_1920

كان من المفترض أن أخصص هذه التدوينة للكتابة عن رحلتي الأخيرة إلى فيتنام لكن موضوع آخر أكثر إلحاح طفا على سطح أفكاري أثناء الرحلة وجعلني أشعر بالحاجة الملحة للكتابة عنه أكثر من أي شيء آخر. التسكع في فيتنام دون خارطة طريق ودون جدول سياحي ودون نصائح من أحد ربما هو ما أتى بفكرة هذه التدوينة حتى عززها كتاب عن السفر كنت أقرأه خلال الرحلة، استثارتني عدة مقاطع منه يسخر فيها الكاتب من طريقة الآخرين في السفر ويمجد طريقته! تزامن هذا مع توقفي عن متابعة شخص على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لأنه تحول من شخص يشارك الآخرين بخفة رحلاته ومعلوماته عن البلد التي يزورها وثقافتها إلى إله، لا يرينا إلا ما يرى و يتنمر على كل طرقنا الشخصية في السفر والاستمتاع! هذا كله استفزني على طريقة منذ متى تحول السفر من رغبة وحرية شخصية وشغف شخصي خاص يمارس فيه الفرد الطريقة المناسبة له إلى منهج وطريقة يجب أن يستمع فيها لرب أعلى يردد ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”! مع الأسف صنع الناس في السفر آلهتهم بنفسهم ثم عبدوها! أتذكرّ هنا كمّ الأشخاص الذين بدأوا في التفكير في السفر الفردي فقط لأن فلان يسافر بهذه الطريقة ويرى أنها الطريقة الصحيحة والوحيدة للسفر أو بدأوا في السفر الإقتصادي والتحدي أيهم يسافر بميزانية أقل رغم قدرته المادية وحبه للسفر لأن أحد مشاهير السفر يرى أن من يسافر بطريقة أخرى لا يفهم المعنى الحقيقي للسفر أو لأنه يري الموضوع موضة لابد من اتباعها! هذا عدا من اقترضوا المال لمحاكاة تجارب شخص آخر يسافر على حساب جيوب شركات الطيران والفنادق أو دعوات جهات حكومية حول العالم!

لماذا نسافر؟

أول سؤال نحتاج الإجابة عليه قبل التفكير في السفر وهو مفتاحنا لنسافر على طريقتنا. لماذا تسافر؟ هل تسافر لتقضي وقت طيب في مكان جديد مع نفسك أو مع شريك أو عائلة أو أصدقاء؟ هل تسافر للابتعاد عن بيتك و روتينك فقط؟ هل تسافر لتنفرد بنفسك؟ هل تسافر لتسترخي وتتخلص من الضغوط؟ هل تسافر لتتعرف على ثقافة مختلفة؟ هل تسافر لتقابل أشخاص جدد؟ هل تسافر لتزور معالم سياحية ؟ هل تسافر لممارسة أنشطة معينة؟ هل تسافر لتكتشف و لتتعلم؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستمكنك من رسم خارطتك وخطتك بنفسك لأنك إن اعتمدت على آخر لرسمها لك فإنه حتماً سيفعل بناء على إجابته هو لهذا السؤال.

كم ميزانيتك؟

هل تدخر لتسافر؟ أم لديك رصيد يكفيك همّ الادخار؟ أو ربما تسافر براتب الشهر الذي يصادف الرحلة وهذه ميزانيتك؟ أم ليس لديك ما يكفي من مال لكنك عاشق للسفر وعلى استعداد أن تفعل أي شيء من أجله؟

بناء على الإجابة ستحدد نوعية سفرك. في السفر سياسة “مدّ سفرتك على قدّ فلوسك” يجب أن تكون نشطة. لا يعقل أن تحاول مجاراة شخص تتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي يقيم في منتجعات فخمة ويستأجر سيارة بسائق للتنقل ويقضي يومه ما بين مطاعم ومقاهي فاخرة ويجرب كل الأنشطة الموجودة في البلد الذي يزوره وأنت ذو دخل قليل أو التزامات مادية كثيرة وأيضاً هذا لا يعني أن تحرم نفسك من السفر فقط لأنك لا تستطيع السفر بطريقته! كما أنه ليس من المنطق أن تحاول مجاراة أو الدخول في تحدي مع شخص يسافر بطريقة اقتصادية لأسبابه الخاصة بينما أنت تحب السفر و قد أكرمك الله بالمادة دون التزامات أو ربما تسافر مره واحدة أو مرتين في السنة ولمدة قصيرة بينما يسافر هو لمدة أطول! شهدت بنفسي كيف يتحدى بعض الأشخاص بعضهم في الإنفاق الأقل في السفر دون مبرر مقنع ولازلت بصراحة أتساءل إذا كنت أحب شيئاً ما ولدي قدرة مادية للإنفاق عليه بسخاء بعيداً عن الإسراف فلماذا لا أفعل؟ لماذا أتحدى نفسي في إنفاق أقل القليل خصوصا إذا ما كنت اعتبره أولوية! حتى أن أحد الأشخاص على سنابتشات تحدى متابعيه في تخمين ميزانية رحلته الأخيرة للتفاخر بأنها أقل مما يتوقعون ثم حين ذكر أحد متابعيه أنه زار نفس الوجهة وأنفق أقل تحول صاحبنا لوحش ينتقد التقتير في السفر والحرمان (: هذا ما سيحصل معنا إن وضعنا للسفر أرباب نتبعهم سيتلاعبون بنا ويحركوننا على أهوائهم. إذا وفقاً لقدرتك المادية دون تقتير ودون إسراف منتهي بديون سافر، إن لم تملك سوى القليل فهناك الكثير من السبل التي ستساعدك كحجز الطيران المبكر والنزول في دور الشباب أو استخدام couchsurfing   أو العمل في البلد الذي تزوره مقابل السكن والطعام طبعاً وأي طريقة تختار عليك النظر فيما إذا كانت تشبهك وتناسبك أصلاً أم لا. أما وإن أكرمك الله بالمال فخياراتك مفتوحة.

مع من تفضل السفر؟

قد تكون الإجابة مع نفسك و لوحدك حيث ترتب جدولك ووقتك بما يناسبك، تزور الأماكن التي تحب وتتفاعل مع من تشاء دون قيود أو تجدها فرصة لأن تختلي بنفسك وقد تكون الشخص الذي يحتاج مشاركة آخرين قريبين منه سواء أهل  أو أصدقاء أو صديق حميم ليستمتع بوقته أكثر أو لأنه لا يحب التفاعل مع الغرباء لذا يفضل أن يكون دائما بصحبة أشخاص يعرفهم أو لأنه ببساطة يخاف السفر وحيد وقد تكون الإجابة مع مجموعات سياحية تكون فيها واحداً بين جماعة تتعرف فيها على أشخاص آخرين لا عائلة ولا أصدقاء. ربما تكون مزيجاً من السابق كله فتسافر أحياناً لوحدك وأحياناً مع عائلتك أو أصدقائك وأحياناً مع مجموعات سياحية. الحالة الاجتماعية تساعد كثيراً في إجابة هذا السؤال بمعنى هل ترتبط بشريك أو أطفال يرون أنه من الأنانية أن تسافر دون اصطحابهم أو يرون أنه من المريح أن تسافر لوحدك بينما هم يقضون وقتهم بالطريقة التي يفضلونها أو مره معهم ومره بدونهم وفقاً لما يناسبكم كعائلة! إذا دائما سيكون لك أسبابك الخاصة التي تجعل من طريقة معينة في السفر مناسبة لك أكثر من بقية الطرق. تقول صديقة قبرصية أنا لا أستطيع الصمت ولو لدقيقة لذا أحتاج أن أسافر دائماً بصحبة أحد لأتحدث معه طيلة الوقت وصديقة يونانية تقول أنا لا أستطيع تناول الطعام وحيدة في مطعم لذا لا أتخيل أن أسافر وحيدة. أواجه هذا السؤال كثيرا: كيف تسافرين لوحدك وكيف نستطيع السفر لوحدنا؟ في السابق كنت أحاول الإجابة على كيف بأن أمجد كثيراً السفر الفردي وأحاول تشجيع الآخر عليه كنت من التطرف لدرجة التلميح بأنه أفضل أنواع السفر وأعظمها! وهذا صحيح لكن من وجهة نظري الشخصية جداً. تنبهت لمبالغتي واستيقظ الاخصائي النفسي داخلي ونبهني بأني بهذا التمجيد قد أجعل الآخر يشعر بالنقص كونه لم يجرب أو لا يحب هذه الطريقة! وأنها أولاً وأخيراً طريقة ونوع مناسب لي ولخصائصي لكن قد لا تكون كذلك للآخر لذا مؤخرا أصبحت أبدأ بتوضيح أني أسافر لوحدي لأن هذه الطريقة تناسبني وتناسب ظروفي بعد التجربة والاختبار وتناسب خصائصي الشخصية وهذا هو المهم لكن هذا لا يعني أبداً أنها الطريقة الصحيحة والمناسبة للجميع ولا يعني أن تجربتك ينقصها شيء إن لم تسافر بهذه الطريقة هي مجرد وسيلة من وسائل عدة لتحقيق غاية أعظم وهو السفر أي أنها ليست غاية بحد ذاتها تشعر بالضيق إن لم تبلغها.

أخيراً السفر تجربة شخصية اختيارية بحتة قد تستفيد في تخطيطها من توصيات المواقع والمسافرين الآخرين ومن سبقوك لوجهة معينة لكن لا يفترض أن تكون استنساخ لتجربة آخر أو تقليد له أو أخذ بتوصيات معينة كفرض لابد من اتباعه حتى وإن لم يكن مناسب لك أو جعل الآخر إله تسجد له قبل كل سفرة فقط لأنه يسافر أكثر منك أو يسافر لأماكن لا تعرف عنها! السفر متعة ولذة شخصية لا يفترض أن تمارس فيها أي شيء يتعارض مع استمتاعك لذا اسأل نفسك قبل كل خطوة في الترتيب لسفرك: هل هذا الشيء ( طريقة، طقس، تجربة، مغامرة) ممتع لي شخصياً أم لا ؟

2 thoughts on “سافر على طريقتك

  1. تدوينة رائعة جداً ، درس مهم من دروس السفر والإعداد له ، خصوصاً و أن المعلومات متوافرة بشكل كبير يجعل العازم على السفر يخطط لنفسه ويختار نوع السفر ووجهته وطريقته دون الاعتماد على الاخرين .

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s