جولة الحي في زمن الكورونا

الرياض- العقيق

23/03/2020

كل شيء يحدث للمرة الأولى؛ ٩٠٪ مِن سكان الحي يغسلون أحواشهم ويمتد كرم الغسيل للشارع فينظر كل واحد في عين جاره المقابل على طريقة (اليوم أنا أغسل وبكرا إنت) يبدو أن هناك اتفاقية غير مكتوبة وغير منطوقة بين السكان على إدارة العملية التنظيفية للطريق المشترك بين بيوتهم!

شاب عشريني في أحد شوارع الحي ينزلق بسيارته خارج المنزل عبر الكراج وينزل نافذته ليصيح بأخيه في الداخل ويلقي عليه أمر عسكري واجب التنفيذ “جب المعقم معك” أقسم أني صادقة وأن هذه العبارة سمعتها وكنت على بعد مترين من صاحبها ولم تكن حلماً أو خيالاً قصصي!

ابتسم ابتسامتي العريضة التي تكشف عن أسناني قبل أن تتحول الابتسامة لضحكة خفيفة أشكر غطاء الفم  الذي حرس الضحكة البلهاء من غضب المجتهدين المشمرين عن سواعدهم وكفاني عناء التبرير بأنها والله لم تكن سخرية ولا شماته وإنما هلع الأشياء التي تحدث لأول مره!

سنة ونصف وأنا لا أشاهد في شوارع الحي سوى السائقين غالباً أما اليوم فيقضي عدد من سكان الحي وقته في تنظيف المنزل والشارع. لاأعرف إن كانت تسلية وقضاء وقت فراغ أم هلع الجراثيم ووسواس التنظيف أم وسيلة لمكافحة القلق أم أن قانوناً صدر وفاتني ينص على أن على الأفراد غسل أحواشهم مره يومياً!

القطط أيضاً أخذت نصيبها من مسلسل (يحدث لأول مره) كانت في السابق تفرّ بمجرد اقتراب شخص منها أما الآن فالحي حرفياً لها، أمر من أمامها وخلفها وبجانبها تماماً دون أن تهتز لها شعرة! لم تكتفي بذلك بل أصبحت تجلس أمام باب البناية مباشرة وعلى جدرانها في أوقات حظر التجول وكأنها تمد لسانها لنا في محاولة لاستفزاز غيرتنا..

IMG_0645

الدانوب -سوبر ماركت الحي الذي يعرفني جيداً- بالأمس في تمام الساعة الخامسة مساءً تحول لساعة حشر أو هكذا خُيل لي حتى أني فقدت امتيازي وحفاوة الموظفين بي فلم ينتبه لدخولي أحد! الجميع الآن منشغل بتسيير الأفواج ومحاسبة أطنان المشتريات التي تئن عجلات العربات تحت ثقلها! أكياس (رز أبوكاس)  كانت بطل المشهد، تشرفت بلقائها محمولة بكل تقدير على ظهور العربات والحقيقة أني لم انتبه يوماً لوجودها في (الدانوب)..

هذا المشهد أصابني بنوبة ضحك جديدة وزاد هلعي! هل يستعد الجميع لحالة طوارىء ولم يخبرني أحد! هل يخطط الجميع للنجاة ويتركونني أشتري ما أشتريه عادة: توتست بر (مقاس صغير)، ٣حبات أفوكادو و ٥ حبات موز! هل سيركض الجميع بعربيته المحملة بخيرات الدانوب لمنزله ويقفل بابه ويتركونني دون خطة طوارئ!

أكد شكوكي ومخاوفي زوج يدير عربته لوجه زوجته ويسألها: “يكفي شهر؟” هذا النوع من الأسئلة غير موجود في برمجة ذهني أنا التي تقرر كل يوم ما الذي يحتاجه هذا اليوم من طعام وتخرج لشراء مكوناته! أنا التي سئمت ريم وهي تحاول لمدة سنة  إقناعي بأن في التسوق متسع لمضاعفة الكمية لحالات الطوارىء ولازالت أرفض أو بالأصح لا أعرف كيف! وددت التوجه إلى الزوجين وسؤالهم إن كان بإمكاني إلقاء نظرة على قائمتهم أو إن كان بإمكانهم تقديم النصائح لي فيما يجب علي أن اشتريه أو ربما أطلب منهم طمئنتي أن مايحصل خاص بالأزواج والعائلات ولا يعنيني!

 طابور المتسوقين الذي يمتد من المحاسب دون نهاية مرئية جعلني أشعر بالغضب أو ربما الإيثار  فتركت الدانوب والمحاسبين لمتسوقين أكثر هلعاً مني وخرجت..

خرجت راكضة لم أنتبه لذلك إلا في أحد شوارع الحي حين أصبحت المسافة أقل من متر بيني وبين مراهق يتخلص من مخاوفه أو يستغل ساعة ماقبل الحظر بالتفحيط! هيئته المتوترة حين رآني متجمدة يكشف عن سيناريو السرقة؛ سرقة سيارة والده المنهمك في غسيل الحوش.. تقول نورة وأنا أخبرها بالموقف أن هذه الفئة (المفحطين في زمن الكورونا) هم أكثر فئة تتعاطف معهم إذ يعكس هذا السلوك توترهم أما أنا لا أقول شيء وقد كنت جنباً لجنب مع سيارته المترنحة!

أكملت الركض وأنا أضحك من حشود الدانوب ومن (المفحط) المتوتر وأسير نحو بقالة منزوية في أحد شوارع الحي، بقالة بهوية سوبر ماركت ومحل خضار.. ابتسم بنشوة المنتصر وأنا أركض لها لأنها المكان الذي لا يعرفه الكثير وبالتالي سيكون لي وحدي. لن أخشى الازدحام وانعدام المسافة الاجتماعية والطابور الطويل لدى المحاسب ولن تزداد ضربات قلبي وتبدأ ساعة حظر التجول تحاصرني، سأتسوق بسرعة وخفة وأخرج راكضة قبل موعد الحظر..

أحلامي تبخرت بمجرد أن لمحت زبون في الخارج! زادت نبضات قلبي! ماذا يعني ذلك؟ هل هو من الهاربين من الدانوب؟ هل هو في الخارج حفظًا للمسافة؟ هل امتلئ المكان وفاض به؟ يدي على قلبي وأنا أطل برأسي خلف الرجل الواقف في الخارج وكانت الصدمة ؛ حتى محل البقالة يخترقه طابور طويل! هربت خالية اليدين للمره الثانية وبسرعة أكبر هذه المرة، أردت الوصول إلى خط النهاية قبل صافرة الحظر وعدت إلى شقتي دون توست ولا موز ولا أفوكادو!

المتعلمة educated  

أقرأ هذه الأيام المذكرات الشخصية للكاتبة والمؤرخة الأمريكية تارا ويستوفر وفي جولة الحي السابقة وتحديداً في الدانوب برز في مخيلتي منظر عائلة تارا خاضعة لأوامر الأب وتخزن بهلع أطناناً من حبات الخوخ في مرطبانات استعداداً ليوم عصيب (لم يأتي أبداً) تهاجمهم فيه الشرطة الإتحادية في معتزلهم في جبل بيكس باك. 

 

*الحقيقة أن هذه الجولة كان مكانها انستقرام لولا أنه أبى أن يقبل هذه الثرثرة الطويلة وتوقف عند منتصفها..

 

 

فيتنام Aug 2019

الامتداد في السفر شرقاً بالنسبة لي لم يكن هدفاً ملحّ بقدر ما كانت فكرة طارئة وأنا ملكة الأفكار الطارئة. بدأت الفكرة من بالي وقفزت إلى فيتنام؛ فيتنام التي لقنت العالم درساً في الصمود والإيمان بالحرية.

بعد مشورة الأصدقاء من مجانين السفر والمغرمين بالترحال وبعد أن صفقوا لفكرة السفر وحيدة إلى فيتنام بحقيبة ظهر ودون خارطة مثقلة بنوايا غير الخفة والتجرد والاكتشاف وضعت سبابتي على هوتشي منه (سايغون) لألقي فيها بجسدي/ روحي ومنها أمتد لأعلى حتى انتهي من فيتنام وتنتهي مني.

IMG_3037

بأقصى خفة ممكنة*

خلال السنوات الخمس الماضية اعتدت التنقل في أوروبا بخفة تناسب مشيتي السريعة التي يصر الأصدقاء والأهل على تسميتها جري وأصر على تسميتها مشي حتى إشعار آخر. حقيبتي الصغيرة تنحشر دائماً في كابينة الطائرة فوق رأسي لا تحمل أي شيء غير أساسي أو زائد عن الحاجة، لا كماليات، لا اكسسوار ولا أدوات زينة. هذه المرة ولأني كنت أنوي الاستسلام لمزاجي في النزول بالمدن والارتحال عنها قررت أن أكتفي بحقيبة ظهر تناسب التنقل المفاجئ والطويل في المواصلات العامة ومن سكن لآخر وبين المدن وفي المقاهي التي تفصل بين مدينتين أو مكانيّ سكن. أردت أن أحمل منزلي على ظهري، كل ما احتاجه يستطيع أن يتكوم ويحتضن بعضه البعض ويشد وثاقه فوق ظهري؛ كتب، قمصان وبنطلونات قماشية تليق بمناخ استوائي ولا تأخذ حيز كبير في الحقيبة، جزمة وملابس رياضية، منتجات عناية شخصية، فيتامينات، اسعافات أولية، شاحن متنقل، محوّل و دفتر مذكرات. حتى تبدو الصورة واضحة أنا لست من النوع المصاب بهلع: ماذا لو احتجت لقطعة ما ولم تكن معي؟! على العكس أعاني من تبلد تجاه هذا النوع من الأفكار ولا يشكل لي أي قلق. المهم أني فعلتها وحملت منزلي على ظهري وتنقلت به قرابة الشهر ما بين اندونيسيا وفيتنام من فندق إلى هوستل إلى نزل إلى منتجع ومن طائرة إلى باص إلى دراجة نارية. أضع منزلي بجانبي في أحد المقاهي بينما أقوم بحجز سكن وأضعه أمامي وأنا أتناول وجبة الفطور الأخيرة في مدينة قبل الانتقال لمدينة أخرى كل هذا بأقصى خفة ممكنة.

IMG_2118 (1)

مفتاح دخول

لكل بلد مفتاح دخول قد يكون مدفوع وقد يكون مجاني قد يفتح لك البلد لمدة طويلة وقد يفتحها لك لأيام فقط. دفعت لمفتاح فيتنام قرابة الستين دولار لأقيم فيها لمدة شهر هذا المفترض أقول المفترض لأن هناك قصة كان من الممكن أن تكون مخيفة لولا لطف الله الخفي الذي حولها لقصة مضحكة. دخلت فيتنام بخطاب الموافقة على الفيزا وفي المطار انتظرت دوري لأخذ الفيزا ومع الزحمة والتأخير والملل قفزت بفرح عند سماع اسمي والتقطت جوازي نظرت نظرة خاطفة للفيزا وانطلقت لأهرب من المطار وأصافح المدينة. دفعت ثمن الانطلاقة بعد قرابة عشرين يوم حين نظرت لي الموظفة في المطار في صالة المغادرة بدهشة وهي تقول ” تاريخ صلاحية التأشيرة منتهي منذ ١٤ يوم ” وهنا تحول النقاش مع إدارة الهجرة وضباطها الذين لا يتحدثون بااللغة الإنجليزية! كان الصراع في داخلي بين أمرين احتاج الجزم بينهما: هل يجب أن أبدو كغبية لا أفهم وأتودد لهم وأظهر جهلي أم أبدو حازمة و أصر أنها غلطتهم بأي حال من الأحوال (يسألونك عن البجاحة) الحقيقة اخترت الخيار الثاني فتكلمت بلهجة حازمة ورددت أني دفعت قيمة تأشيرة مدتها شهر وهذه غلطتهم وليست غلطتي كانت حدة انكار المسؤولية والتملص من الخطأ عالية عندي الأمر الذي دفعهم للجوء لضابط آخر يتحدث الإنجليزية على طريقة ” الله يصلحك جالسة في البلد وفيزتك منتهية” أثناء النقاشات كنت ألوح بشكل خفيف بكرت (استطيع الدفع إن كنتم ترغبون) لكن لم ألوح به كثيراً وبشكل واضح لأن البجاحة المفرطة كانت تحرضني بأن لا أدع لهم أي طريق لاستغلالي (وكأني لست المخطئة) بعد نصف ساعة مابين الإنجليزية والفيتنامية وخيالات الرعب التي تصورني في السجن متغيبة عن عملي لأني اخترقت أنظمة الهجرة والإقامة في بلد ووسط تنهيدات الضابط التي توحي بعظم الخطب فتح صفحة التأشيرة في جوازي وختمها وكتب عليها تمديد إلى يوم غد هكذا بكل بساطة الإنسان حين يتجاوز تعقيد الأنظمة.

الدراجة النارية حيث مات الخوف وولدت المتعة

إن كانت هناك قائمة امتنان سأكتبها في حق الأشياء التي منحتني إياها رحلة فيتنام فسيكون ركوب الدراجة النارية والتنقل بها على رأس القائمة. أنا من عشاق الدراجات الهوائية منذ الطفولة أما الدراجة النارية فكنت أتخوف من ركوبها أشعر أني لا أملك السيطرة التامة عليها. أثناء دراستي في بريطانيا كان أحد الأصدقاء ممن أمضوا نصف حياتهم على دراجة نارية في شمال إيطاليا يحاول إقناعي بتجربتها ولو لمرة وقد فعلت وجربتها، جربتها لدقيقة واحدة هي المدة التي وضعت جسدي عليها قبل أن أقفز بهلع متراجعة عن الفكرة هلع لم تمنعه السترة التي أرتديها ولا الخوذة ولا الشارع المنزوي الخالي من السيارات.

ما الذي حصل في فيتنام؟ الذي حصل أن الطفل الذي لا تقيده المخاوف استيقظ بداخلي وجرب اللعبة وأدمنها؛ حرفياً أدمنت ركوب الدراجات النارية، الانطلاق في الشوارع المزدحمة، العبور السريع بين السيارات الملتصقة ببعضها والأهم أني حققت شيء من أحلامي الطفولية وهو فتح ذراعي والتحليق من على ظهر دراجة نارية كمن يحتضن الحياة. يضحك الأصدقاء على فقرة الدراجة النارية ويصفونني بمن لا يجيد انتقاء أرض معاركه؛ لا أستخدم الدراجة النارية في أكثر الدول احتراماً لأنظمة الطريق والمرور بينما أقضي معظم وقتي في فيتنام على ظهرها! أول مره استخدمتها أعتقد أنها المرة التي كانت كفيلة بمعالجة مخاوفي عن طريق الغمر إذ صادفتني سيدة وأنا أمشي ومنزلي على ظهري وحين عرفت وجهتي تعجبت من رغبتي في قطعها مشياً وأنا ابتسم، عرضت علي أن تصطحبني بدراجتها فكان أول الغمر أن الخوذة التي استطاعت توفيرها لي هي خوذة دراجة هوائية بمقاس صغير واستمر الغمر كلما انحشرنا بين سيارتين حتى مات الخوف وولدت المتعة.

أين أضع رأسي؟

في فيتنام كانت المرة الأولى التي أجرب فيها السكن في هوستل حيث أتشارك غرفة النوم مع أخريات. جاءت الفكرة كمحاولة للقفز خارج منطقة الراحة خاصة أن هذه الرحلة برمتها كان هذا هو الهدف منها: القفز خارج الحدود لاكتشاف أنا جديدة والحقيقة أنها كانت قفزة جريئة جداً لشخص اعتاد لسنوات على السكن بمفرده وعلى الخصوصية والأهم شخص يعاني من وسواس النظافة والترتيب. جربتها مرتين في أول مدينة وفي ثاني مدينة أما الأولى فكانت جميلة، المكان صغير وهادئ والأعداد قليلة أما الثانية فكانت سيئة، المكان مزدحم بشتى الأمزجة والفوضوية، الضوضاء لم تدعني وشأني ورغم أني كسبت الكثير من معارفي في هذا المكان إلا أنه المكان الذي نفرني من تكرار التجربة. أكملت بقية الرحلة في فنادق عادية و دور ضيافة فعلاقتي مع مكان الإقامة في السفر هي علاقة وضع الرأس على المخدة آخر اليوم فقط ومنذ أن أفتح عيني في الصباح الباكر أقفز للخارج، لا أؤمن بتناول وجبة الفطور في مكان الإقامة اعتبره وسيلة لتضييع وقت يمكن قضائه في اكتشاف الأفضل كذلك لا أعود لمكان الإقامة إلا ليلاً حين تملني الشوارع ويعييني التعب والحقيقة أن الأخير لا يفعلها إلا نادراً في السفر. لا يرهقني التفكير الطويل في تفاصيل السكن المهم بالنسبة لي الأساسيات: تقييمات ممتازة، موقع ممتاز و نظافة بهذه الصفات أعتبر أني أضع رأسي في مكان آمن للحب/ للنوم.

“وحيدة أكثر من وحيد القرن”*

ماذا عن درجة الأمن في فيتنام بالنسبة لفتاة تسافر بمفردها؟

لم أشعر ولو لحظة في فيتنام بأني غير آمنة. تسكعت في كل الطرق وفي كل الأوقات، تحدثت للغرباء، جلست في المقاهي الشعبية، مررت رقم هاتفي لعدد من العابرين لأسباب مختلفة وارتكبت جملة من الحماقات (سأذكرها في التدوينات القادمة عن فيتنام) لكني لم أشعر أبداً بعدم الأمن أو الخوف.

يفترض أن تكون هذه التدوينة (إن لم يغلبني الكسل ) افتتاحية لسلسلة تدوينات عن فيتنام، تغطي كل تدوينة مدينة من المدن التي مررت بها وهذا لا يعني أن لدي وصايا عظيمة أو نصائح أو معلومات لا يعرفها أحد كل مافي الأمر أني شخص يستعين على الحياة بالكتابة ومشاركة التجارب..

 

 

* مجاراة لديوان “بأقصى زرقة ممكنة” لماجد العتيبي

* اقتباس من رواية “مساء يصعد الدرج” لعادل الحوشان

أوبود: هائمة بصحبة نفسي

كان صيف 2019 حافل بخططي اللامنتهية للسفر، أعترف أني جبت الخريطة مئات المرات وطفت حول العالم عشرات المرات وانتقلت ما بين جنوب أمريكا والهند ونيبال وتايلاند وكوبا حتى استقريت دون أن أعرف كيف على شرق آسيا تحديداً بالي وفي تحديد أدق أبود Ubud. منذ سنوات قرأت كتاب طعام ، صلاة ، حب وشاهدت الفلم حيث تذهب إليزابيث إلى بالي – أبود ضمن رحلة البحث عن نفسها بعد الطلاق ومنذ أن قرأت الكتاب وأبود والسير على خطى إليزابيث ضمن خططي.

الحجوزات والفيزا

حجزت تذاكري بأقل أمتعة يمكن حملها وطرت لجاكرتا مرورا بسريلانكا ومن جاكرتا إلى بالي. لم أحتاج لفيزا فمدة اقامتي قصيرة (أسبوع فقط) لم أخطط لأي شيء بدقة بدء بالسكن وانتهاء بالأنشطة. حجزت لأول ليلة فقط فندق قريب من المطار(لا أهتم بفخامة الفنادق ونجومها المهم نظافتها)  بما أني أصل ليلاً أحببت أن يكون باستطاعتي المشي للسكن من المطار. باقي الليالي كنت أحجز في نفس الوقت، هذا النوع من الخفة هو ما يجعلني مغرمة بالسفر الفردي فلا حاجة لخطط ولا ترتيبات هاتفي. النقال في يدي ومزود بالانترنت وفي لحظات أستطيع تدبير أي شيء بما يتفق مع مزاج اللحظة وبما أني مسافرة بشنطة ظهر هذا يجعلني لا أحمل هم الحقائب والأمتعة والتنقل بها.

الليلة الأولى في كوتا

قضيت ليلتي الأولى في كوتا Kuta مهبط السواح ومستقرهم ولأن من عاداتي السيئة أن لا يهدأ لي بال ولا أضع رأسي على المخدة في أي بلد حتى أتجول فيها وأصافح أرضها بقدمي ونتعرف على بعض فإن هذا ما فعلته رغم أني وصلت عند العاشرة والنصف ليلاً إلا أني مشيت للشاطئ وتجولت في المحلات على الشارع وجلست مع مجموعة من الأشخاص على الأرض خلف عربة طعام أتناول التوفو مع الخضروات التي نصحوني بها ووعدوني باللذة إن مزجتها بصوص حار(:

الشروق على الشاطئ

في الصباح قبل الشروق انطلقت للشاطئ إذ أن المشي على الشاطئ والجلوس عليه لمشاهدة الشروق أو الغروب من هواياتي المفضلة.  تمشيت قليلاً ثم جلست على أحد القوارب في مقابلة البحر حتى جاء شخص وجلس بجانبي وبدأ الحوار المعتاد للتعارف بين الغرباء وبالصدفة ذكر لي أن منظر الشروق جميل وأن علي أن أدير ظهري للجهة المعاكسة حتى أتمكن من رؤيته! إذاً مضى وقتي في الجهة المخالفة للشروق! بعد الشروق وحماقتي في انتظاره انطلقت لتناول الفطور ثم إلى أبود.

طعام، صلاة، حب

في Ubud حجزت ليلة حيث مرت اليزابيث والتقت ب Ketut Liyer (توفي 2016 وخلفه ابنه) وقد أصبحت الدار مقصد السياح الغربيين بعد كتاب إليزابيث . الحقيقة أن التجربة تستحق كنزل ودار ضيافة عائلي دافئ فهو عبارة عن فناء واسع بعدة أكواخ في مقدمته صالون لتصفيف الشعر للحفيدة يليله كوخ العائلة ثم أكواخ النزلاء يتخللها مجاري مياه بأسماك والكثير من الأشجار والخضرة. تدير العائلة والعائلة فقط النزل كاملاً فالأم والبنت مسؤولات عن الحسابات، الحفيد في الاستقبال والأب/ الجد يلتقي الضيوف بابتسامته ويتحدث معهم ويقدم لهم استشارات علاجية. عند زيارتي الموافقة لأحد الاحتفالات الدينية في بالي كان مشغول بتجهيز الطعام لهذه المناسبة وبجانبه حفيدة الصغير يقوم بلف رقائق (السبرنق رول) إلا أن ذلك لم يمنعه  من السلام علي والحديث معي عن عائلته ووالده ونزلهم والكثير من الكلام الجميل الذي يلاطف به غريب غريبة.

استفسرت منهم عن طبيعة الأنشطة التي يرتبون لها إن وجدت فذكروا Trekking  إلى قمة جبل باتور ودون تفكير سجلت اسمي في الرحلة التي تبدأ عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل وتنتهي قرابة العصر. أحب التنويع في الأنشطة التي أمارسها في السفر متى ما كان ذلك متاح وأي نشاط يتطلب مشي أجد نفسي ميالة له. الصعود لقمة باتور تستحق الاستيقاظ عند الثانية وتستحق تحمل البرد الذي يأخذ نصيبه من شخص لم يرتدي ملابس تليق به. مشاهدة الشروق من القمة تستحق كل الساعات التي قضيناها في الطريق وأعتقد أني متى ماطلب مني توصيات في أوبود فسأوصي بهذه الرحلة لمن يستطيع تحملها.

يوغا، تأمل، عزلة

تكثر في بالي الأماكن التي توفر لك فرصة الاعتزال في حقل أو مزرعة وممارسة اليوغا والتأمل وأنشطة أخرى تختلف من مكان لآخر كركوب الدراجة ودروس الطبخ وغيره. حجزت ثلاث ليالي في واحد منها وهو عبارة عن حقل ملحق به فيلا بغرف للضيوف وفيلا لصاحبة المكان وهي سيدة ألمانية. كان البرنامج كالتالي في الصباح يوغا ثم الفطور والتجول في الحقل وفي المساء بعد الغداء جلسة تأمل (جميع الوجبات نباتية) ثم درس طبخ اندونيسي وفي أحد الأيام هناك جلسة مساج. بمجرد وصولي للمكان كانت المفاجأة وجود كلاب وهو الأمر الذي لم نتفق عليه خصوصا كلاب تنبح في وجهي بشراسة بمجرد دخولي والظريف أنها تحاصرني أثناء جلسة التأمل! لم أشعر بالارتياح الأمر الذي جعلني أدخل لغرفتي وأبحث عن مراجعات للمكان من جديد حتى أتأكد هل هناك ذكر للكلاب وكانت الصدمة وجود الكثير من المراجعات التي يذكر أصحابها تعرضهم للعض من قبل الكلاب! بالإضافة للكلاب صاحبة المكان لم تكن ودودة كما ينبغي وكان حديثها معي طوال الوقت عن السياسية والدين وبشكل متطرف ضد البلد الذي جئت منه وفي اعتقادي أن هذان الموضوعان تحديدا لا ينبغي أن تكون في مكان خاص بالاسترخاء والراحة. اليوغا لم تكن وفق توقعاتي بأن من يقوم بها هو مدرب خبير إذ كانت الجلسة مع فتاة متطوعة للعمل في الحقل أوكلت لها صاحبة المكان القيام بجلسة اليوغا معي! كان المكان فارغ جداً على عكس تصوراتي بأني سأكون واحدة ضمن جموعة ولأني أثق في حدسي ولا أرغب في أن أضيع وقتي ومالي في إعطاء فرصة لتجربة لم تلمس روحي منذ البداية قررت الخروج وإنهاء التجربة عند هذا الحد. عموماً التجربة استثناء وأنا على ثقة أن هناك أماكن أخرى ستكون التجربة فيها أجمل لذا ربما تضعونها بالحسبان عند السفر إلى بالي.

IMG_9700

ني ويان ودارها الدافئة

بعد خروجي من الحقل وفي طريق العودة لوسط أوبود حجزت في دار ضيافة بمبنى أثري في وسط أوبود وفي شارعها الحي بالقرب من المحلات والمقاهي والحياة. استقبلتني عجوز اندونيسية مبتسمة هي صاحبة الدار ذات الثمانية غرف، تقيم مع ابنها وعائلته في الجزء الأمامي من الدار. تستضيف ني ويان في دارها ورش رسم وأعمال حرفية من وقت لآخر وهو الأمر الذي شدني فالدار أكثر من نزل. كان الحجز ليلة واحدة لكن في اليوم الذي يليله قمت بالتمديد ليلة أخرى فالسكينة التي منحتني إياها ني ويان وأحاديثها وانتظارها لي في الليل كأم لتسأل عن يومي وحرصها على أن أتناول الفطور في الصباح قبل خروجي جعلني أرغب في قضاء وقت أطول معها وقت ليس فيه مغامرات أو to do list وقت ليس فيه سوى الجلسة بجانبها في شرفة بيتها وأمام التلفاز والاستمتاع بمشاهدة برامج اندونيسية وهو مافعلته في يومي الثاني معها وقبل مغادرتي. أنصح بزيارتها والإقامة في دارها لمن يهتم بالبشر وليس المكان فالمكان أقل من عادي على مستوى الغرف كذلك لمن يسافر باسترخاء ولديه متسع من الوقت لإنفاقه دون خطة بعينها.

المعابد، حقول الأرز ، مزرعة القهوة

اعترف أني بعد سبع سنوات من السفر الشبه مستمر فقدت شهيتي لزيارة المعالم والمزارات المكررة كدور العبادة التي كانت سابقاً تفتتني من الناحية العمرانية. الآن أصبح نصيب التسكع الحرّ في الشوارع والأزقة أوالتصوير والكتابة أكبر لكن بما أن أوبود مليئة بالأنشطة ورحلات اليوم الواحد وبما أن صورة أرجوحة حقول الأرز كانت عالقة في ذهني كصورة جميلة عن بالي قررت الانضمام في أحد الصباحات لمجموعة في رحلة حول ثلاثة معابد وحقول الأرز ومزرعة قهوة وشوكولاته. التجول في حقول الأرز بكل خضرتها منعش والتأرجح من علو منعش أكثر كنشاط خفيف. ستجدون عروض هذا النوع من الجولات في كل مكان أما إذا كنتم مجموعة فيمكنكم استئجار سيارة والذهاب بنفسكم في جولة من هذا النوع.

ليلة ملكية

الحقيقة أني أنفر من أي شيء تُلحق به مفردة (ملكي) لوصفه وأهرب من كل مايتعلق بالملكية من أسلوب حياة أو طقوس لكن قضاء الليلة الأخيرة من الرحلة في منتجع فخم على شاطئ جمبران Jimbaran  لشخص مثلي اعتاد الركض يعتبر ملكي بشكل أو آخر حتى وإن كنت ذلك الشخص الذي ينتهي من جلسة المساج في غرفته ليخرج للمشي لمسافات طويلة  ثم يترك عشاء المنتجع وشوائه وطيباته وموسيقاه ليتناول العشاء في مطعم دون اسم. ربما فقرة الدلال هذه تناسب الأشخاص الأكثر هدوء والذين لديهم قدرة على قضاء اليوم في غرفتهم أو أمامها وعلى شاطئها أما من خلقوا يركضون فعليهم توفير نقودهم.

جنة النباتيين

كانت بالي بالنسبة لي جنة من حيث الأكل، الأمر الذي فتح شهيتي بشكل لم أصدقه ولم أخبره مسبقاً. السلطات الملونة، السموثي، الشوفان و زبديات الخضروات المشوية كل هذا جعلني أغرق وأفكر جدياً بأن على هذه الجزيرة ما يستحق العودة طبعاً ليس الطعام فقط لكنه الطعام أولاً (: هنا بعض المطاعم التي جربتها.

وجهة آمنه جميلة تتميز بتنوع الأنشطة التي يمكن القيام بها فلا يخشى الشخص الملل لأنه حتماً سيجد ما يعجبه، رخيصة ، الناس ودودين جداً حتى أني لا أنسى أن خروجي من ثاني سكن أقمت فيه تصادف مع الاحتفال الديني فلم أجد أي وسيلة مواصلات حملت حقيبتي ومشيت حتى صادفت سيدة عند باب بيتها تهم بركوب دراجتها النارية سلمت عليها وأخبرتها بالمكان الذي أرغب الذهاب له وهل هناك طريقة للحصول على تاكسي أكدت لي أن ذلك مستحيل وعوضاً عنه عرضت علي أن تأخذني بنفسها (الحقيقة أن هذا كان مقصدي) وفعلاً أخذتني بكل لطف لوجهتي(: يزعم البعض أن  بالي عموماً وجهة غير مناسبة للمسافرين بشكل فردي من الجنسين حتى أني صادفت مهندس مغربي ألماني كرر هذه العبارة مرتين عندما علم أني لوحدي ( (you must be brave to come to Bali Alone  في المرة الأولى رددت عليه ألست لوحدك أيضاً أم لأني فتاة؟ أجاب بإنه ليس لوحده وإنما مع مجموعة عندما أعاد الجملة مرة ثانية استوقفته وطلبت إيضاح لأني لا أرى أي شجاعة في الموضوع فالبلد آمن ولم أتعرض لأي مضايقات فكانت إجابته أنه لا يقصد الأمن وإنما الوحدة في جزيرة مثل بالي (: بالنسبة لي لم تشكل لي هذه النقطة أي مشاكل لكن أعرف أن البعض يعتبرها سبب للامتناع عن السفر إلى بالي لذا من الجيد أن تعرف نفسك قبل التخطيط للسفر..

انتهى أسبوع أوبود بكل خفة دون خطط دقيقة ولا ترتيبات معقدة كل مافعلته أني كنت أهيم بصحبة نفسي ودون خارطة طريق.

سافر على طريقتك

business-3268751_1920

كان من المفترض أن أخصص هذه التدوينة للكتابة عن رحلتي الأخيرة إلى فيتنام لكن موضوع آخر أكثر إلحاح طفا على سطح أفكاري أثناء الرحلة وجعلني أشعر بالحاجة الملحة للكتابة عنه أكثر من أي شيء آخر. التسكع في فيتنام دون خارطة طريق ودون جدول سياحي ودون نصائح من أحد ربما هو ما أتى بفكرة هذه التدوينة حتى عززها كتاب عن السفر كنت أقرأه خلال الرحلة، استثارتني عدة مقاطع منه يسخر فيها الكاتب من طريقة الآخرين في السفر ويمجد طريقته! تزامن هذا مع توقفي عن متابعة شخص على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لأنه تحول من شخص يشارك الآخرين بخفة رحلاته ومعلوماته عن البلد التي يزورها وثقافتها إلى إله، لا يرينا إلا ما يرى و يتنمر على كل طرقنا الشخصية في السفر والاستمتاع! هذا كله استفزني على طريقة منذ متى تحول السفر من رغبة وحرية شخصية وشغف شخصي خاص يمارس فيه الفرد الطريقة المناسبة له إلى منهج وطريقة يجب أن يستمع فيها لرب أعلى يردد ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”! مع الأسف صنع الناس في السفر آلهتهم بنفسهم ثم عبدوها! أتذكرّ هنا كمّ الأشخاص الذين بدأوا في التفكير في السفر الفردي فقط لأن فلان يسافر بهذه الطريقة ويرى أنها الطريقة الصحيحة والوحيدة للسفر أو بدأوا في السفر الإقتصادي والتحدي أيهم يسافر بميزانية أقل رغم قدرته المادية وحبه للسفر لأن أحد مشاهير السفر يرى أن من يسافر بطريقة أخرى لا يفهم المعنى الحقيقي للسفر أو لأنه يري الموضوع موضة لابد من اتباعها! هذا عدا من اقترضوا المال لمحاكاة تجارب شخص آخر يسافر على حساب جيوب شركات الطيران والفنادق أو دعوات جهات حكومية حول العالم!

لماذا نسافر؟

أول سؤال نحتاج الإجابة عليه قبل التفكير في السفر وهو مفتاحنا لنسافر على طريقتنا. لماذا تسافر؟ هل تسافر لتقضي وقت طيب في مكان جديد مع نفسك أو مع شريك أو عائلة أو أصدقاء؟ هل تسافر للابتعاد عن بيتك و روتينك فقط؟ هل تسافر لتنفرد بنفسك؟ هل تسافر لتسترخي وتتخلص من الضغوط؟ هل تسافر لتتعرف على ثقافة مختلفة؟ هل تسافر لتقابل أشخاص جدد؟ هل تسافر لتزور معالم سياحية ؟ هل تسافر لممارسة أنشطة معينة؟ هل تسافر لتكتشف و لتتعلم؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستمكنك من رسم خارطتك وخطتك بنفسك لأنك إن اعتمدت على آخر لرسمها لك فإنه حتماً سيفعل بناء على إجابته هو لهذا السؤال.

كم ميزانيتك؟

هل تدخر لتسافر؟ أم لديك رصيد يكفيك همّ الادخار؟ أو ربما تسافر براتب الشهر الذي يصادف الرحلة وهذه ميزانيتك؟ أم ليس لديك ما يكفي من مال لكنك عاشق للسفر وعلى استعداد أن تفعل أي شيء من أجله؟

بناء على الإجابة ستحدد نوعية سفرك. في السفر سياسة “مدّ سفرتك على قدّ فلوسك” يجب أن تكون نشطة. لا يعقل أن تحاول مجاراة شخص تتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي يقيم في منتجعات فخمة ويستأجر سيارة بسائق للتنقل ويقضي يومه ما بين مطاعم ومقاهي فاخرة ويجرب كل الأنشطة الموجودة في البلد الذي يزوره وأنت ذو دخل قليل أو التزامات مادية كثيرة وأيضاً هذا لا يعني أن تحرم نفسك من السفر فقط لأنك لا تستطيع السفر بطريقته! كما أنه ليس من المنطق أن تحاول مجاراة أو الدخول في تحدي مع شخص يسافر بطريقة اقتصادية لأسبابه الخاصة بينما أنت تحب السفر و قد أكرمك الله بالمادة دون التزامات أو ربما تسافر مره واحدة أو مرتين في السنة ولمدة قصيرة بينما يسافر هو لمدة أطول! شهدت بنفسي كيف يتحدى بعض الأشخاص بعضهم في الإنفاق الأقل في السفر دون مبرر مقنع ولازلت بصراحة أتساءل إذا كنت أحب شيئاً ما ولدي قدرة مادية للإنفاق عليه بسخاء بعيداً عن الإسراف فلماذا لا أفعل؟ لماذا أتحدى نفسي في إنفاق أقل القليل خصوصا إذا ما كنت اعتبره أولوية! حتى أن أحد الأشخاص على سنابتشات تحدى متابعيه في تخمين ميزانية رحلته الأخيرة للتفاخر بأنها أقل مما يتوقعون ثم حين ذكر أحد متابعيه أنه زار نفس الوجهة وأنفق أقل تحول صاحبنا لوحش ينتقد التقتير في السفر والحرمان (: هذا ما سيحصل معنا إن وضعنا للسفر أرباب نتبعهم سيتلاعبون بنا ويحركوننا على أهوائهم. إذا وفقاً لقدرتك المادية دون تقتير ودون إسراف منتهي بديون سافر، إن لم تملك سوى القليل فهناك الكثير من السبل التي ستساعدك كحجز الطيران المبكر والنزول في دور الشباب أو استخدام couchsurfing   أو العمل في البلد الذي تزوره مقابل السكن والطعام طبعاً وأي طريقة تختار عليك النظر فيما إذا كانت تشبهك وتناسبك أصلاً أم لا. أما وإن أكرمك الله بالمال فخياراتك مفتوحة.

مع من تفضل السفر؟

قد تكون الإجابة مع نفسك و لوحدك حيث ترتب جدولك ووقتك بما يناسبك، تزور الأماكن التي تحب وتتفاعل مع من تشاء دون قيود أو تجدها فرصة لأن تختلي بنفسك وقد تكون الشخص الذي يحتاج مشاركة آخرين قريبين منه سواء أهل  أو أصدقاء أو صديق حميم ليستمتع بوقته أكثر أو لأنه لا يحب التفاعل مع الغرباء لذا يفضل أن يكون دائما بصحبة أشخاص يعرفهم أو لأنه ببساطة يخاف السفر وحيد وقد تكون الإجابة مع مجموعات سياحية تكون فيها واحداً بين جماعة تتعرف فيها على أشخاص آخرين لا عائلة ولا أصدقاء. ربما تكون مزيجاً من السابق كله فتسافر أحياناً لوحدك وأحياناً مع عائلتك أو أصدقائك وأحياناً مع مجموعات سياحية. الحالة الاجتماعية تساعد كثيراً في إجابة هذا السؤال بمعنى هل ترتبط بشريك أو أطفال يرون أنه من الأنانية أن تسافر دون اصطحابهم أو يرون أنه من المريح أن تسافر لوحدك بينما هم يقضون وقتهم بالطريقة التي يفضلونها أو مره معهم ومره بدونهم وفقاً لما يناسبكم كعائلة! إذا دائما سيكون لك أسبابك الخاصة التي تجعل من طريقة معينة في السفر مناسبة لك أكثر من بقية الطرق. تقول صديقة قبرصية أنا لا أستطيع الصمت ولو لدقيقة لذا أحتاج أن أسافر دائماً بصحبة أحد لأتحدث معه طيلة الوقت وصديقة يونانية تقول أنا لا أستطيع تناول الطعام وحيدة في مطعم لذا لا أتخيل أن أسافر وحيدة. أواجه هذا السؤال كثيرا: كيف تسافرين لوحدك وكيف نستطيع السفر لوحدنا؟ في السابق كنت أحاول الإجابة على كيف بأن أمجد كثيراً السفر الفردي وأحاول تشجيع الآخر عليه كنت من التطرف لدرجة التلميح بأنه أفضل أنواع السفر وأعظمها! وهذا صحيح لكن من وجهة نظري الشخصية جداً. تنبهت لمبالغتي واستيقظ الاخصائي النفسي داخلي ونبهني بأني بهذا التمجيد قد أجعل الآخر يشعر بالنقص كونه لم يجرب أو لا يحب هذه الطريقة! وأنها أولاً وأخيراً طريقة ونوع مناسب لي ولخصائصي لكن قد لا تكون كذلك للآخر لذا مؤخرا أصبحت أبدأ بتوضيح أني أسافر لوحدي لأن هذه الطريقة تناسبني وتناسب ظروفي بعد التجربة والاختبار وتناسب خصائصي الشخصية وهذا هو المهم لكن هذا لا يعني أبداً أنها الطريقة الصحيحة والمناسبة للجميع ولا يعني أن تجربتك ينقصها شيء إن لم تسافر بهذه الطريقة هي مجرد وسيلة من وسائل عدة لتحقيق غاية أعظم وهو السفر أي أنها ليست غاية بحد ذاتها تشعر بالضيق إن لم تبلغها.

أخيراً السفر تجربة شخصية اختيارية بحتة قد تستفيد في تخطيطها من توصيات المواقع والمسافرين الآخرين ومن سبقوك لوجهة معينة لكن لا يفترض أن تكون استنساخ لتجربة آخر أو تقليد له أو أخذ بتوصيات معينة كفرض لابد من اتباعه حتى وإن لم يكن مناسب لك أو جعل الآخر إله تسجد له قبل كل سفرة فقط لأنه يسافر أكثر منك أو يسافر لأماكن لا تعرف عنها! السفر متعة ولذة شخصية لا يفترض أن تمارس فيها أي شيء يتعارض مع استمتاعك لذا اسأل نفسك قبل كل خطوة في الترتيب لسفرك: هل هذا الشيء ( طريقة، طقس، تجربة، مغامرة) ممتع لي شخصياً أم لا ؟

سافر بهدف: رحلتي إلى زنجبار

خضت في يونيو الماضي تجربة حياتية إنسانية مختلفة عن جميع تجاربي السابقة ولأنها أكبر من مجرد تجربة وأعمق من خبرة حياتية عابرة أخذتني الحماسة لتوثيقها والكتابة عنها رغم الخوف الذي راودني من عجز الكتابة عن نقلها بتفاصيلها وكامل أثرها.

في يوم ٢٣ يونيو ذهبت إلي زنجبار- تنزانيا  في رحلة تطوعية مع مؤسسة نموهب وهي مؤسسة اجتماعية تهدف لتعزيز ثقافة السفر لهدف عن طريق السعي لتغيير فكرة السياحة والسفر من مجرد زيارة وجهة معينة إلى زرع أثر ممتد في هذه الوجهة من خلال المساهمة في أعمال تطوعية تنظمها المؤسسة. هدفت الرحلة للمساهمة في بناء فصول دراسية في مدرسة كينوني في زنجبار بالإضافة لجدول سياحي يمنح المتطوع الفرصة للوقوف على أهم معالم و مزارت البلد وأنشطتها السياحية.

فكرة الانضمام لنموهب جاءت من شغفي بالعطاء و بفكرة كانت ترددها والدة صديقتي :” من عطى عطى نفسه” من جانب وعشقي للسفر من جانب آخر فكانت نموهب هي مصباح علاء الدين ومارده الذي جمع بين شغفي وعشقي. هذا المزيج الرائع بين العمل الخيري والسياحة هو ما حفزني بشدة للانضمام لهم. كانت الرحلة على مدى شهر كامل لكن يحق للمشترك اختيار أسبوع واحد فقط أو أسبوعين أو ثلاثة وعليه اخترت أسبوع واحد مدفوعة بحماس العطاء ومتخوفة قليلاً من انعدام الخبرات السابقة.

نموهب
الصورة من حساب nomuhub@ على انستقرام

ما قبل الرحلة

من خلال موقع نموهب اطلعت على تفاصيل رحلة زنجبار  وسجلت في الأسبوع الثالث الذي يبدأ يوم الأحد ٢٣ يونيو وينتهي يوم السبت ٢٩ يونيو بتكلفة 960$ في الحقيقة كانت التكلفة مبهرة لي حيث تشمل السكن والمواصلات واستقبال من المطار وتوصيل للمطار ووجبة فطور وغداء والأنشطة السياحية والتبرع أيضاً لبناء الفصول ولأجرة العمال المحليين، إذا هو تبرع أولاً وتطوع ثانياً ثم سياحة في جزيرة كنت في الأصل متحمسة لزيارتها بعد أن شاهدتها وشواطئها العظيمة في فيديوهات لسياح أجانب وعرب.

بعد الحجز بدأت في الإستعداد بتفحص الجو في زنجبار فوجدته مشمس نهاراً ومعتدل مساءً و تعتبر الفترة من يونيو إلى أكتوبر من أفضل الأوقات لزيارة زنجبار. ساعدني ذلك في تحديد القطع المناسبة للرحلة والتي كانت في أغلبها من القطن والأقمشة الخفيفة. الأهم من الملابس كانت التطعيمات/ اللقاحات التي يجب أخذها قبل السفر إلى زنجبار، بناء على توصيات وزارة الصحة ووفقاً للبحث الذي قمت به كان لقاح الحمى الصفراء أهم اللقاحات المتفق عليه عداه يتم استشارة الطبيب وبعد القراءة والاستشارة انتهيت لأخذ لقاح الحمى الصفراء وأقراص مضادة للملاريا. حرصت على أن أخذ معي حقيبة اسعافات أولية صغيرة ومناديل ديتول وبخاخ مضاد للبعوض. بالنسبة للتأشيرة لم تشغل بالي حيث يمكن الحصول عليها في المطار مقابل ٥٠ دولار فقط قمت بعمل تأمين سفر.

IMG-0879

في زنجبار

 منذ أن وصلت المطار تم استقبالي بما يعطي طابع عام عن زنجبار وكونهم شعب *(هكونا ماتاتا) إذ أردت دفع رسوم التأشيرة لإدارة الهجرة والجوازات باستخدام بطاقتي الفيزا إلا أنهم طلبوا كاش رغم وجود علامة الدفع باستخدام الفيزا والماستر كارد ولأني لا أحمل كاش طلبوا مني الخروج من المطار حيث يوجد جهاز صراف (: خرجت ولم أتنبه أني تحولت سريعاً لهكونا ماتاتا إلا حين أردت الدخول للمطار وتذكرت أني تركت جوازي مع موظف كان ينظم السير حتى أني لا أعرف وظيفته الأساسية وهو الذي لم يرتدي بدلة رسمية! الحمدلله بعد دقائق من الفجيعة والبحث جاء الموظف ضاحكاً بجوازي وتم الدفع والدخول لتبدأ الرحلة مع نموهب وباص نموهب وحسين من زنجبار يغني لنا ويتحدث عن زنجبار حتى وصلنا للنزل مكان إقامتنا أو بيتنا مثلما أصبحت أسميه وهي التسمية التي تليق بحميمته وأبوابه الخشب وتفاصيله الدافئة بأدواره الثلاثة وسطحه الصغير الذي قضيت إحدى الليالي فيه أنا التي لا أذكر آخر مره صعدت فيها لسطح منزلنا. أيضا (بيتنا) تليق بمريم أم البيت وروحه، مريم التي كان من واجبها أن تدير السكن فقط لكنها تحولت لأم تنتظر الجميع حتى يعودون من الخارج تسأل عن يومهم تغمرهم بلطفها تخرج معهم في جولات لوسط المدينة تفعل كل هذا بابتسامة عريضة ابتسامة حقيقية تنسيك مسؤوليتها الأساسية وتذكرك بأنها أم حنون كلما عدنا من العمل وسألت كل شخص فينا عن يومه وهل كان اليوم شاق؟ السؤال الأخير يدفعني لتفصيل تجربة التطوع.

المدرسة والعمل التطوعي

كانت المدرسة تبعد عن سكننا قرابة ٢٠ دقيقة أو أقل وكان العمل فيها من الساعة ٨ تقريباً إلى الساعة ٢:٣٠م.  قطعنا الطريق في أول يوم بكل حماسة وتلهف ونشاط ما إن توقفنا عند المدرسة حتى تم اخبارنا أنهم أعدوا استقبال لنا في الحقيقة لم يسعفني خيالي بأي صورة مسبقة لوضع الطلبة والمدرسة لكن ما إن وصلت حتى أدركت أن الوضع لم يكن ليشبه أي تصور مسبق. خطف قلبي قبل بصري منظر الأطفال يجلسون على التراب لاستقبالنا، بعضهم حفاة دون أحذية والكثير منهم دون حقائب وإنما ما تيسر من مرادفات بالية لمفهوم حقيبة و تنتثر القمامة في المشهد! توالت المشاهد خلال أيام التطوع لتؤكد لي قلة حيلتي وعجزي أمام أطفال بحاجة للكثير بدء بالماء والطعام مروراً باللباس وانتهاءً بالتعليم الجيد. أصبح مشهد الأطفال يلعبون حولنا وليس في الفصول مألوف فالفصول أقل من عدد الطلبة لذا هم يتناوبون على الفصل الواحد، لذا كان أحد الفصول في الهواء الطلق أرضه تراب وسقفه شجرة، لذا تم استخدام أحد الفصول التي تم بنائها قبل الإنتهاء منه ولذلك كله كانت نموهب تقوم ببناء الفصول.

حين وصلنا كانت المهمة التي تنتظرنا هي ثلاث فصول كالتالي: إكمال بناء الفصل الثالث جدرانه وأرضيته  و وضع الجبس للفصل الثاني وصبغه وصبغ الفصل الأول. كنا ١٠ متطوعات و٣ متطوعين. صدقاً لم أتخيل المهمة شاقة ولا أعرف لماذا كنت أتخيلها عادية حتى بدأنا في جلب الرمل والجبس وجره في العربات وخلطه بالماء ونقله للفصول هنا بدا السؤال المنطقي لماذا لا يوجد خلاط كهربائي؟ ولأن الإجابة واضحة وهي لا يوجد كهرباء ولا ماء كافي! أدركت أن سؤالنا يقف جنباً لجنب مع المقولة الشهيرة لجان جاك روسو في كتابه الإعتراف والتي أوردها على لسان الملكة ماري انطوانيت : ” إذا لم يكن هناك خبز للفقراء دعهم يأكلون الكعك”. توالت الأيام ما بين عربات الرمل والجبس والخلط ، توالت الأيام ونحن منغمسون في العمل لا نبالي بكميات التراب والجبس التي تغطي ملابسنا وتزين وجوهنا نعم تزينها لأننا لم نعد نبالي بمسحها بل نتناول الغداء ونخرج من المدرسة للبيت بوجوه ملطخة ونفوس متصالحة نحن الذين كنا نتفحص وجوهنا في المرآة بعد كل وجبة لنتأكد من خلوها من بقايا الصوص أو الكريمة. في هذه الأيام شعرت بكل العمالة التي تقضي أيامها تحت الشمس لتبني بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا دون أن نكون معهم بامتنان الزنجبارين الذين كانوا ينظرون لنا كملائكة في مهمة عمل على الأرض فكانوا يمتنون لنا أكثر مما نستحق، لا أزال أتذكر استقبال الأطفال لنا أول يوم وهم ينشدون كلمات تصف كم نحن عظماء وذو مقام رفيع فقط لأننا جئنا لنبني فصول لهم فقط لأننا جئنا لنقدم واجبنا على هذه الأرض ونعمرّها! و لا أزال أتذكر رسالة ميزا (الفتاة المسؤولة عن تنظيف بيتنا) الرسالة الطويلة التي تودعني فيها وتشكر حضورنا لبلدهم لمساعدتهم ولبناء فصول لهم! امتنانهم العظيم لكل ما نراه أنا ومجموعتي شيء بسيط علمني ألا استصغر من المعروف شيء فمثلاً قد يتردد البعض أحيانا في تقديم شيء لشخص لأنه يرى هذا الشيء تافه وهو ما حصل مع صديقتنا صفاء من السودان حين خجلت من إعطاء كيس حلوى معها للعاملات في البيت فأخذته وأعطيتها لواحدة منهن، أذهلني امتنانها حتى أنها طلبت رقمي وأرسلت لي في المساء عدد من مقاطع الفيديو لطفلها وأطفال اخوتها وأطفال الجيران بيدهم الحلوى يغنون لي ويشكرون! إذا علمتني زنجبار الامتنان وعدم استصغار أي معروف.

زنجبار سياحياً

بجانب العمل التطوعي كان هناك برنامج سياحي للوقوف على جمال زنجبار. كان المساء مخصص للسياحة والأنشطة، أغلب ما مرّ بي في المدونات والفيديوهات السياحية عن زنجبار قمنا به:

– ستوون تاون : تجولنا مع مرشد سياحي في هذه المدينة القديمة المدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي والتي أخذت اسمها (المدينة الحجرية) من بناء مبانيها من الأحجار والصخور المرجانية وتعكس المدينة الحضارات العربية والأوروبية والهندية التي مرت عليها إذ يبدو ذلك في عمارتها وأبوابها الخشبية وأماكن العبادة المتنوعة فيها والتي تعتبر إشارة على تنوع الأعراق التي استوطنتها.

– ذهبنا في جولة في المركب وقت الغروب مع عزف موسيقي حي عظيم لمزيج من الموسيقى السواحيلية والعربية. العروض لهذا النوع من الجولات أعتقد كثيرة يستطيع السائح اختيار ما يناسبه أيضاً بعضها يقدم مأكولات خفيفة ومشروبات.

– زرنا مزرعة التوابل: لا أعتقد أنها ستسقط من قائمة أي شخص يزور زنجبار المعروفة باسم جزيرة التوابل والتي حين عدت منها سألتني زوجة أخي عما إذا كنت قد أحضرت قرنفل. صحبنا مرشد في الجولة حول الأشجار يعرف بكل واحدة ويشجع حواسنا لتتعرف عليها كما صحبنا آخرين يصنعون من أوراق الشجر أساور و قلادات وتيجان لنا. شاهدت مزرعة التوابل في الكثير من الفيديوهات وكان مشهد الرجل الذي يصعد شجرة جوز الهند الطويلة بسرعة وهو يغني من أكثر المشاهد التي شدتني وتمنيت تجربتها وبالفعل جربتها وإن لم أستطع تجوز ربع الشجرة (ربما لأني لم أكن أغني).

 جزيرة السجن : كان يتم احتجاز العبيد فيها ثم المصابين بالحمى الصفراء أما الآن فقد أصبحت بما فيها من بقايا السجن معلم سياحي يضم فندق وخدمات أخرى كذلك تضم الجزيرة السلاحف العملاقة  بأعمارها المسجلة على ظهرها ويستطيع السياح إطعامها والتصوير معها (بالمناسبة هل تعض السلحفاة وهل عضتها مؤلمة؟ هذا السؤال كان مثار جدل بيننا ).

– قضينا مساءنا الأخير على أحد الشواطئ الرملية الخاصة واستمتعنا بجلسة حول النار وعشاء لذيذ. صفاء المياه وزرقتها والرمال التي لا تسخن رغم الحرارة من أكثر الأشياء التي طالعتني عند البحث عن زنجبار وربما هذا ما يفسر كثرة السياح الأوروبيين فيها: شواطئ عظيمة وتكلفة قليلة.

درس القهوة: حضرنا درس قهوة في مقهى بزل للقهوة المختصة مع ليو (صاحب المقهى ومعدّ القهوة الشغوف بها). هذا النوع من الدروس كما أشرت في تدوينة أكثر من سفر من أهم الأنشطة التي أحب ممارستها في السفر.

زنجبار مع مجموعة

هي المرة الأولى لي التي أسافر فيها مع مجموعة لا أعرفها فغالبا ما أسافر وحيدة أو مع الأصدقاء أو العائلة. كان السفر مع مجموعة الإضافة الثالثة لي بجوار التطوع والسياحة. كانت المجموعة عظيمة استثنائية أضاف لي كل فرد فيها إضافة على المستوى الشخصي المعرفي والعاطفي كذلك علمتني أن العمل مع فريق ينجح وفقاٍ لشخصيات الأفراد فيه، ومن حسن الحظ أن جميع الأفراد كانوا على مستوى عالي من اللطف والجدية والتعاون والهمة العالية والإحساس بالآخر، كان الجميع يتعاملون وكأنهم يعرفون بعض منذ زمن طويل. كانت نورة من السعودية تطرح في كل ليلة سؤال يبدو سهل لكنه يغوص بكل واحد منا في أعماقه وأعماق الآخرين من نوع: ماهي موهبتك؟ ما الوظيفة التي تعتقدون أنها تناسب فلان؟ وهكذا نقضي المساء باكتشافنا و إكتشاف الآخر. كان يوسف من عمان (مدير المشروع ومتطوع سابق مع نموهب) يسأل من ليلة لأخرى عن أثر الرحلة وكيف وجدناها، في أول مره تركزت الإجابات حول المجموعة وانطباعاتنا عن المجموعة في آخر جلسة تركزت الإجابات على تأثير تجربة التطوع علينا وعلى أحاسيسنا ومشاعرنا ومن هذه الجلسة ما تعلق في قلبي وسيظل معلق كفاطمة من الكويت حين قالت :” أفكر إن على الأرض مصادر تكفي كل البشر لكنها ما تتوزع بعدل” ونورة حين قالت :”في الباص في أول يوم كنت أتأمل البيوت والناس وأفكر كيف ممكن يحسنون من بلدهم ويطورون مجتمعهم خصوصا إنهم في مجتمع بسيط وبعدين لما رحت المدرسة وشفت الأطفال كانوا يلعبون بالقمامة ومبسوطين، فكرت إنهم مبسوطين بس مايعرفون ايش يستحقون بالضبط لأنهم يستحقون أشياء أفضل من كذا بكثير خصوصا الأشياء الرئيسية التعليم و جودة الحياة” و أماني من عمان حين قالت:” هذي التجربة خلتني أقول الحياة كتاب ليست كل فصوله سعيدة” و أسئلة سعيد من عمان :” من أول يوم وأنا أفكر ليش هم مو أنا ؟ ليش أنا خذيت هالوضع في الحياة وهم لا؟ ليش أنا استحقيت أكثر منهم ؟” و يوسف حين قال :” في تجربة مثل هذي المفروض تفكرون بالأثر اللي سويتوه للناس وللأطفال وكيف تطوعكم رح يأثر عليهم وعلى حياتهم على المدى البعيد أكثر من كيف أثرت هالتجربة عليكم”. أخيراً جاءت عبارة متأخرة لأماني التي قضت أسبوعين متطوعة في زنجبار لتكون مثل صدى يتردد حتى الآن في ذهني :” أول ما أرجع بأسوي ديتوكس روحي بأتخلص من العلاقات اللي مالها قيمة  وتزعجني” أعتقد أن هذه الرحلة قد تغلغلت لأعمق من السطح لدى بعضنا.

تصوير: نورة
تصوير: صفاء

كتجربة كاملة لا أستطيع اختزال الرحلة في تدوينة وإن كنت أطلت وأطلت لكن محاولة كهذه محاولة فاشلة لاختصار حياة في كلمة لكني سعيت جاهدة لأن أذكر شيء من وعن تلك الحياة علّه يشجع راغب أو يثير الحماسة لمن يستمع لأول مره وإن حصل ذلك بالفعل فتوجهوا لموقع نموهب واقرأوا أكثر عنهم وعن مشاريعهم إن لم يعجبكم البناء هناك التدريس والخدمات الطبية ومشاريع الإستدامة. أخيراً إن قررتم الذهاب وبمقدوركم أخذ هدايا للأطفال فافعلوا هذه واحدة من الأشياء التي ندمت عليها، حين سألنا عن الهدايا تم إخبارنا أن عددهم بالآلآف ومن الصعب إعطائهم جميعاً! الآن ندمت إذ كان من السهل علي توفير الهدايا للآلاف من خلال جعلها مشروع صغير بيني وبين الأهل والأصدقاء ولن يزعجني نقلها خاصة وأنه لم يكن بصحبتي سوى حقيبة صغيرة. أيضاً إن كنتم تحبون خذوا معكم مبالغ مالية موزعة في أظرف توزعونها على من يخدمكم أو يعمل معكم. لا تكاسروا! وهي القاعدة التي مع الأسف لم أتبعها في أول أيام التسوق لكثرة ما سمعت أن سعر السلعة مضروب في ٢ وأن علي أن أطلب من البائع السعر الأقل مباشرة ورغم أني لا أتذكر أني سبق وفعلتها سواء في السعودية أو خارجها إلا أني فعلتها وندمت في زنجبار قبل أن أتنبه لفكرة: لما لا أعتبرها صدقة تعطى مع المحافظة على كرامة الشخص بدل أن أعطيه مال دون سبب على الأقل اشتري بضاعة بضعف حقها! حين تنبهت لهذه الفكرة كانت البائعة العجوز قد خصمت لي بعد المكاسرة ٢٠ شيلينق من قيمة القطع التي اشتريت سلمتها المبلغ مع العشرين وقلت غيرت رأيي لا حاجة لردها رفعت يدها وبدأت بالدعاء. وفي سياق الشراء كذلك اشتروا ولا تبخلوا حتى وإن لم تكونوا بحاجة ماسة أتذكر أني مره كنت في إحدى قرى جازان في السعودية ومررنا ببقالة في بيت قديم أخبرنا المرشد أنه من الجميل لو اشترينا أي شيء من هذا البيت فهي وسيلة لمساعدتهم هم الذين لا يمرهم سوى قلة من الناس كذلك تذكرت منار في تعليقها على دفع أسعار أعلى من قيمة السلع في سيرلانكا وعدم التدقيق:” كل ما ندخل بلد أنا وأمين ندعي :اللهم ارزقني وارزق مني” فعلاً اللهم أرزقنا خير ما في هذه التجارب و أرزق منا ومن خيرنا..

 

مَخرج

26f1ca3b-13b7-45de-855b-fdf7c2007197
الفصول الثلاثة بعد إكتمالها من تصوير سالم

* هكونا ماتاتا: عبارة سواحلية معناها لا تقلق، لا تخف ، لا مشكلة

إجازة نهاية الأسبوع: الأردن

استكمالاً لسلسلة تدوينات إجازة نهاية الأسبوع والحديثة الولادة ستكون هذه التدوينة عن رحلتي إلى الأردن (عمان -البتراء). أستطيع وصف عمان بأنها المفاجأة التي فاقت التوقعات وجادت علي بأكثر مما حلقت ساعتين لأجله. الكثير من الطيبة والناس المرحة والضحك والحياة الحقيقية. جلّ الوقت في عمان أو كله بالأصح كان من نصيب وسط البلد. في وسط البلد ستفاجئك الدهشة وستكون محظوظ إن ساقك الحديث والضحك مع الأشخاص الطيبين في الدكاكين والمقاهي لأن تكسبهم أصحاب ينطلقون معك في جولة سياحية.

سأجتهد هنا لوضع خارطة بسيطة تشد على يد من مثلي يسعى بكل اجتهاد للخروج من عنق الزجاجة على الأقل مره في الشهر/نهاية الأسبوع. هنا سأقول له باستطاعتك الخروج من الروتين والعمل في رحلة تستغرق ساعتين وبخيارات سكن دوماً سيكون فيها ما يناسب ميزانيتك وبرحلة تمارس فيها المشي والجلوس حول البحر وفي المقاهي وتجمع بين الحضارة والتاريخ والتمدن والطبيعة، مناسبة لك إن كنت تسافر لوحدك أو مع مجموعة. أرجح أن يكون اليوم الأول من نصيب وسط البلد بكل ما فيه من أنشطة، اليوم الثاني للبتراء والثالث للبحر الميت وما تبقى من وسط البلد.

وسط البلد

المدرج الروماني في وسط البلد وتحديداً على جبل الجوفة يقع المدرج الذي يعود للعصر الروماني. تذكرة الدخول للمدرج 2 دينار لغير الأردنيين إلا أن الموظف حين صححت له بأني لست أردنية وإنما سعودية حلف أنه لن يأخذ مني إلا مثل ما يؤخذ من الأردني وهو أقل من ربع المبلغ (00.25 (.

جبل القلعة أيضاً هنا تكرر المشهد وتكررت المعاملة وعوملت كأردنية فيما يتعلق بتذاكر الدخول. قطعت الطريق مشياً من وسط البلد ثم صعوداً للجبل مع فتاتين تعرفت عليهم صدفة وأصبحنا أصدقاء حتى الآن. المنطقة عظيمة وتأخذ الأنفاس، الوقوف عليها يمنح الواقف إطلالة رائعة على عمان. على الجبل بعض الآثار كبقايا كنيسة و القصر الأموي و ما تبقى من واجهة معبد هرقل وهي الأعمدة الستة الضخمة التي يتسابق السياح للتصوير عندها.

درج الكلحة ماذا عساي أقول في أوصافه!* مفتونة لأقصى درجة بقطعة الفن الملونة هذه التي خلقت لي أجنحة من بهجة وجعلتني أطير. مفتونة بالفن والحياة التي تسود في هذا الدرج. الصعود على هذا الدرج عبارة عن غرفة مفاجآت تصافحك فيها الجداريات الجميلة ما بين السيدة فيروز ودرويش وجبران ومارسيل وعلى جنباته تحتضنك البيوت القديمة والمحلات و المقاهي والمكتبات وفي استراحاته وما بين مجموعة عتبات والأخرى تنتشر جلسات المقاهي و لوحات الفنانين ومئات الكتب المعروضة. إنه أعمق من درج وأكبر من غاليري وأقرب لتظاهرة فنية ثقافية. هنا بعض أماكن الدرج التي يجب أن لا تفوت الصاعد أو النازل منه:

زيزفون كافية وفن متأكدة أني حتى وإن لم أوصي المار بدخوله فإن مقاعده الخشبية بلونها الفيروزي واللوحات الفنية التي تتخللها ستكشف ساقها وتغويه بالدخول. زيزفون مقهى ثقافي فني تقام فيه ورش العمل والجلسات النقاشية وورش الرسم والمعارض الفنية.

عزوتي “لديك ما يكفيك من خبزٍ ولكن ليس ما يكفي جميع الناس” شدتني هذه العبارة المحفورة على كرسي خشبي على درج الكلحة بجوار مطعم صغير نقشت على جداره نفس العبارة. على واحدة من طاولتي المطعم جلست فتاتان كانتا الوحيدتان في المكان وما إن دخلت حتى تعرفت عليهم وعلى قصة المكان. هذا المكان أو المطعم هو (عزوتي) مطعم خيري لصاحبه محمود النابلسي رجل أعمال مهتم بالعمل الخيري. يدخل الشخص للمطعم ياعازم يامعزوم، عازم يدفع قيمة وجبته ووجبة أخرى تعلق قيمتها على لوح في المطعم حتى إذا ما جاء شخص محتاج أصبح معزوم وأخذ الوجبة المدفوعة قيمتها. العاملين في المطعم متطوعين يحضرون الوجبات البيتية الطازجة ( رغيف زعتر ، صحن لبنة، قلاية بندورة..)، الفكرة أن تعد كوجبة منزلية بسيطة تشعر المحتاج أنه يأكل بحميمية وبساطة في بيته دون تكلف المطاعم الاحترافية … عزوتي فكرة عظيمة تدار بأيدي بيضاء محبة للعطاء.

جدل: معرفة وثقافة  من أكثر الأشياء التي أبهرتني البيت العربي القديم على درج الكلحة حيث تشدك لوحة جدل الخضراء من قلبك وأنت تصعد الدرج ويشد على يدك الشباب على الدرج بأن تدخل وتكتشف جدل. جدل مشروع ثقافي اجتماعي نشأ بمبادرة خاصة غير ربحية من فادي عميرة المهندس الذي استقال من وظيفته إثر الربيع العربي وبدأ بهذا المشروع كنوع من إشباع حاجة الشباب لمكان يجمعهم للنقاش والحديث. أبهرني البيت ذو الأربع غرف والمطبخ وحديقة السطوح و قد تحول الصالون فيه إلى سينما وغاليري بينما حولت إحدى الغرف إلى مكتبة وقاعات دراسة وأخرى إلى قاعة اجتماعات أما الساحة فاحتضنت الجلسات الخارجية والسطح حوّل لحديقة تقابلك فيها الورقيات والمواد المعاد تدويرها (المكان صديق للبيئية، يمنع استهلاك البلاستك ويشجع إعادة التدوير). النور الذي يكتنف الساحة والسماء التي تظلل الجلسات يجعل خططك مع المكان كثيرة: تلتقي بأصدقائك فيه، تقرأ فيه، تستذكر دروسك، تعمل.. الخ.  نظام جدل هو نظام اللامقهى بمعنى لا يدفع الشخص لما يستهلكه من طعام وشراب وإنما يدفع مقابل الوقت الذي سيمضيه (يدفع مبلغ بسيط لأول ثلاث ساعات ثم نصف المبلغ ثم تكون جلسته بالمجان). تقام في جدل جلسات نقاش وعروض أفلام تتبعها جلسات نقاشية ودروس رقص ويوغا وتأمل ودروس طبخ و دروس تعليم لغة عربية وغيرها.

انتهي من درج الكلحة ولا ينتهي مني كما لم ينتهي من عدد من شعراء الأردن الذين خلدوه في قصائدهم.

جميدة خانم: لن أزور الأردن وأخرج منها دون تناول المنسف وهي عادتي في أي بلد أزوره أتناول أطباقه التقليدية حتي وإن كانت تتعارض مع نظامي الغذائي. اخترت هذا المطعم وتجاهلت بقية المطاعم التي تظهر بتقييمات أعلى على مواقع السياحة وفي بعض توصيات الأصدقاء والدافع الرئيسي كان اسمه (:  سأعترف أني تخيلت المطعم لسيدة أردنية اسمها جميدة والآن أفهم سر دهشة سائق التاكسي وأنا أنطق الأسم وهو يبذل جهد في التعرف عليه حتى توقفنا عنده وبإبتسامة قال : (آه جميدة ). المطعم لزوجين أردنيين ويقع في الطابق الثاني لبيت قديم في وسط البلد يستقبلك بابه الحديدي الأصفر بكل بهجة، فكرته هو تقديم الطعام الأردني التقليدي بحلّة حديثة و خلق مكان حميمي على غرار سنترال بارك في المسلسل الأمريكي فريندز يكون بيتاً وحضناً للشباب والشابات في جميع الأوقات الأمر الذي يفسر (عشة) الحمام الموجودة في السطح بجوار الجلسات وبقية التفاصيل من مشغولات يدوية معلقة علي الجدار وجاهزة للبيع للشباب العاملين الذين تجدهم بجانبك على الطاولات يتبادلون الحديث ومستعدين لأخذك في جولة في المكان كذلك توجد فرقة موسيقية وجلسات خارجية في الشرفة والسطح. عندما تطلب قائمة الطعام وتنتظر ورقة أو كتيب سيفاجئك أحد الشباب بلوح أسود مقارب لطولة يحمله لطاولتك ثم يبدأ شرح الأطباق. المفاجأة الأخرى ستكون حين يحضر لك الشباب لوحة فنية تحت مسمى منسف. بالمناسبة إن كنتم مثلي لم تعرفوا معنى جميدة ابحثوا عنها (:

بيت ستي: كان في قائمتي منذ زمن وأخيراً الآن هناك إشارة صح بجانبه. من الاسم ستتوقع شكل ما أنت ذاهب إليه وربما تخمن شكل التجربة التي ستكون في هذا المكان. بيت ستي بيت عربي خمسيني قديم حين تدخله تشعر بأن الزمن عاد للوراء وأنت الآن في منزل عربي قديم لعائلة راقية بكل صور الأبيض والأسود المعلقة على جدرانه وأثاثه الخشب المعتنى به. حافظت عليه ثلاث شقيقات وأدرنه بذكاء ورغبة في المحافظة على الإرث الأردني الثقافي بجانب تمكين السيدات الأردنيات فتحول البيت لمطعم يدعم السيدات الأردنيات ممن يجدن الطبخ التقليدي. فكرته قائمة على تقديم دروس طبخ للأطباق الأردنية التقليدية لذا لا أفضل تسميته مطعم لأنه مرتبط بالدروس ويفتح بالحجز ومن أجل الدروس. يحجز الشخص عن طريق الموقع لدرس مدته ثلاث ساعات تقريباً (٣٥ دنيار أدني) ينضم فيه لمجموعة من الأشخاص يتراوح عددهم مابين ٩-١٢ تقريباً وبالإمكان طلب درس شخصي خاص لكني لا أحب ولا أنصح بذلك فالمقصد ليس التعلم بقدر ماهو الاختلاط والاستمتاع والتعرف على ثقافة بصحبة أشخاص مختلفين. (توصية: اقترح حجز آخر دروس المساء أما النهار فقضائه في جولة في الأماكن السابقة)

البتراء

ليلة في البتراء وفي فندق Petra bubble luxotel  تحديداً من أجمل التجارب بالنسبة لي. هذا النوع من الفنادق لي معه أمنية قديمة إذ أخطط منذ زمن للنزول فيه في إحدى المدن التي يمكنني فيها مشاهدة ظاهرة الشفق هذه الأمنية جعلتني أتحمس حين عرفت بوجود هذا النوع في قلب صحراء قريبة مني، نعم ليس هناك شفق لكن هناك نجوم ليلية وكثبان رملية على مد النظر. عمان عموماً كان الدافع الرئيسي لها مشاهدة البتراء التي من عرفت نفسي وأنا أحلم بها وأشعر بالخجل من قربها مني وبعدي عن زيارتها. ستحتاج الجولة في البتراء إلي يوم من أول النهار إلى ما بعد الغروب ولن تنتهي من كل تلك الآثار الممتدة والتي ستقطعها بقصورها ومقابرها ومسرحها وجبالها الملونة مشياً علي قدميك وبصحبة مرشد سياحي أفترض فيه الروح اللطيفة والثقافة العالية كما حصل لي. أكثر ما أذهلني بقاء الصحراء صحراء والبدو بدو دون أن تُقتل هذه الأصالة بمرور الثقافات المختلفة منها فبقت اللهجة البدوية الخالصة على نفس اللسان الذي يتحدث الإنجليزية بلكنة مذهلة وبقي الزي والكحل والشعر الطويل والفضة التي عرضت للبيع في قلب الصحراء بجانب كل اللباس والألسنة التي تمرها. زيارة البتراء واجب والنصيحة أن تكون في يوم خميس حيث تشعل الشموع مساء وللخيال حرية رسم صورة للشموع المتراقصة في الصحراء. النزول بالفندق اقتراح والنصيحة أن يكون مع صحبة طيبة  فالإقامة في قلب الصحراء والسهر في خيمة بدوية والاستمتاع بجلسة عزف على العود وشاهي الجمر ومراقبة النجوم من غرفة فندق على شكل قبة بلاستيكية شفافة بحاجة لصحبة تضحك، تغني، ترقص وتسهر معك.

سأنتهي هنا لن أتكلم عن ما ستجده بمجرد إدخال كلمة عمان في محرك البحث، لن أوصي بريم البوادي وشمس البلد وكنافة حبيبة وفلافل هاشم وأبوجبارة وجدايل حواء وسكة الدراويش.. وغيرها فهي ستظهر لك عند البحث. لن أوصي بزيارة البحر الميت فلا أعتقد أن أحداً سيمر الأردن ويتخطاه بالنسبة لي ولوقتي لم يسعني إلا قضاء ساعة تقريباً في منطقة البحر الميت، لن أذكر محلات محلية وبهوية عربية كجو بدو وفانيلة وملبس فهي بنفسها ستصادفك في وسط البلد أو في محرك البحث إن أردت التسوق. لن أوصيك بدارة الفنون ومؤسسة خالد شومان ودار الأندى فهي أيضاً ستقاطع طريقك إن كنت تعتمد المشي وستظهر على محرك البحث إن كنت تبحث عن معارض ومتاحف فنية وسيبقى الخيار لك ولمزاجك ووقتك. سأنتهي هنا على أمل أني تركت فكرة خفيفة ومشجعة لقضاء إجازة نهاية الأسبوع في بلد قريب ومدهش.

  • سأضع في الأيام القادمة على انستقرام جميع الصور التي إلتقطتها لكل الأماكن السابق ذكرها..

إجازة نهاية الأسبوع: جازان

في السنوات الأربع الماضية تعلقت روحي برحلات نهاية الأسبوع، أفتح الخريطة واضع اصبعي على مدينة أوروبية ثم (هوبا) أقفز لها. ليلتين كانت كافية لإنعاشي وإعادة ترتيبي داخلياً أعود بعدها بكل حماس ونشوة للعمل. مع الأسف منذ عدت للسعودية في أكتوبر ٢٠١٨ افتقدت هذه العادة (بإستثناء رحلتا جدة و أوشيقر) لعدة أسباب ربما احتاج تدوينة أخري لمناقشتها. في ٢٠١٩ سمعت من الصديقات نفس النصيحة بعدة صياغات (تحتاجين تسافرين، فاقدة السفر أكيد، ليه طيب ما ترجعين تسافرين، السفر كان يعني لك أكيد هو اللي مأثر ع نفسيتك) وفي ليلة كانت صبغتها الأساسية الضجر جاءت جازان في وقت غير متوقع كاقتراح مفاجئ جداً من ريمتو : “جازان؟؟ تشوفينها ؟ أنا مره أشوفها”. أجبت: “ايه”. الحقيقة كانت مشاعري محايدة لم أرها في وقتها جيداً، أقصد لم أكن متحمسة ولم أرى أني سأسافر إلى جازان فعلا نهاية الأسبوع لكني اخترت الموافقة.

تواصلنا مع مرشدة سعودية في جازان سبق وأن خرجت في جولة سياحية في جازان مع صديقاتي العام الماضي و بعد تحديد العدد رتبت لنا جدول بتكلفة محددة لكل شخص لمدة ثلاث أيام من الخميس إلى السبت يشمل زيارة فيفاء والعيدابي والداير وجزيرة فرسان وجبال القهر، يشمل حجز فندق ليلتين ومواصلات (عدا الطيران) ووجبات الفطور والغداء.

اليوم الأول: استقبلتنا المرشدة في المطار بسيارتها الخاصة ثم انطلقنا لمطعم قصر غمدان تنوعت الوجبات مابين المرسه والفول ومغشات خضار ولحم. ربما لا أستطيع تقييم جميع الأطباق لأني لم أتذوقها جميعها لكن الفول ومغش الخضار كانت لذيذة جداً ودافئة وتحتضن المعدة كما تصف صديقة لي الطعام اللذيذ. انطلقنا لفيفاء وجبال العيدابي وبني مالك ، يحتاج الصعود لجبال فيفاء سائق محترف وخبير بالمنطقة وصعودها. في الطريق إلى فيفاء توقفنا عند سد جازان وعند العيون الحارة قبل أن نكمل المسير لجبال فيفاء ثم نستعين بشخصين من المنطقة ليكونوا دليلنا هناك. توقفنا عند مزارع موز ومنجا وقهوة في داير بني مالك تابعة لبيوت ناس ومزارع أخرى (:

اليوم الثاني: جبال القهر في محافظة الريث وما أدراك ما جبال القهر! الجبال التي تصعدها كوسلية صادقة وموضوعية لإختبار من أين جاء إسمها! انطلقنا فجراً بصحبة فريق Jazan Discover  والأستاذ فيصل الريثي والعم موسى الريثي من جبال القهر وقد كانا المرشدان الفعليان في هذه الرحلة بالإضافة لمرشدتنا ومرشد آخر، الأخيران كانت المرة الأولى لهم في جبال القهر، انطلقت المجموعات في سيارات دفع رباعي (لا تسمن ولا تغني من خوف بالنسبة لي). أعتقد أني تعرفت على الموت عدة مرات في طريق جبال القهر صعوداً ونزولاً (شكراً للصديقات اللاتي قمنا أكثر من مره بتبديل الأماكن لأكون في أكثرها أمن وطمأنينة وشكراً لأحضانهن التي فتحت لرأسي حتى لا أري أي جحيم أعبر). أذكر أني طوال الطريق أسأل المرشد هل اقتربنا وعندما يقول لا أعلق :”كل هذا و مو قهر؟! ضيم أجل”. الوصول إلى الجبال يعني الوصول لمنطقة تجعلك تتنفس الصعداء وتقول: كان الأمر يستحق. الإرتفاع الذي تكون عليه من الأرض وكل هذه الجبال المحيطة بك والسحاب الذي يدنو منك تجعلك تحمد الله أنك بكل جبنك صعدت إلى هنا إلى منطقة لم تنهكها أقدام البشر إلى هذا المكان القصي ذو الطريق الوعر والمركز الصحي الوحيد الذي يزوره الأطباء على ما أتذكر مره في الأسبوع و لا يسكنه سوى سبع عائلات أما البقية فاختارت المغادرة لمكان بخدمات أفضل. تحيط بجبال القهر الأودية ومن أجملها وادي لجب الذي تمنيت لو أن الوقت أسعفنا لزيارته. قضينا الوقت نتمشى حول المنطقة ثم مسترخين على الجبل نستمتع بالقهوة الخولانية التي قام بتحميصها أمامنا فيصل الريثي وهو يردد من الأهازيج مالا نفهم كلماته لكنه يلمس أرواحنا في الوقت ذاته كانت وجبة الغداء تطهى و المغشات حاضرة. أخيراً، القهر أكبر من صعود مرتفع إذ يحتضن منطقة أثرية اكتشفت فيها آثار ومقابر ونقوش وجماجم وأسرّة قديمة (وفقاً لما قرأت).

 

اليوم الثالث: الخطة كانت لفرسان لكن (اغفري للموج والريح والسفينة) لم تتواطئ الأرصاد الجوية مع مخططاتنا كان الموج عالي والرياح شديدة والأمطار متوقعة فعدلنا عن فرسان وتحولنا لجزيرة أحبار (إحدى جزر جازان) ولصيد السمك.. القارب الذي نقلنا لها كان قارب بهواية ركوب أمواج. توقف المركب في منطقة لصيد السمك جرب البعض الصيد ومارسته باحتراف المرشدة وقائد المركبة بعدها عدنا لشاطئ الجزيرة ولإحدى الجلسات المرتصة حول الشاطئ والتي تقدم فيها وجبة الغداء والمشروبات الساخنة.

ضوء هذه الرحلة الذي لن يخبو هو أهالي جازان الطيبون وصوت فيصل الريثي العذب وجبال القهر وجلستها وجميع رفاقها.

ما فاتني وتمنيته تمنيت أن أزور أسواق شعبية لكن لم يسعفني الحظ والوقت إذ حين بحثت وجدت الأسواق بالأيام ومتوزعة على مناطق مختلفة من جازان ليس فيها ما يناسب وقتنا وخطتنا. تمنيت أن هناك حقول واسعة وممتدة للقهوة والموز والمانجا أزورها وليست مجرد مزارع تابعة لبيوت ناس. تمنيت لو كانت هناك طريقة لصعود الجبال أو جزء منها مشياً بدلا من السيارات، بعيداً عن الخوف أنا من الأشخاص الذين ترهقهم السيارات ويرهقهم قطع طريق طويل من هذا النوع أو رحلة كاملة بسيارة.

ترغب في قضاء نهاية الأسبوع في جازان: اطلع على جميع العروض الموجودة في السوق واختر منها ما يقدم البرنامج المناسب لك ويتناسب مع ميزانيتك خاصة أنه الآن توجد العديد من المجموعات السياحية التي تقدم هذا النوع من الرحلات حتى أننا التقينا بفتيات قد خيموا في فرسان مع مجموعة مسارات masaratclub. لو قرأت مسبقاً عن أماكن معينة ويهمك المرور بها أطلع المرشد على ذلك قبل الاتفاق على الرحلة. اضغط زر إيقاف للوجبات الغذائية المعتادة وفعّل زر الوجبات الجيزانية التقليدية. جهزوا قائمة أغاني جميلة تليق بالطريق وجباله (:

أما بعد أصبحت كلي حماس لرحلات نهاية أسبوع مماثلة تغطي مااستطاعت من ربوع بلادي..

مدن الدهشة: مالطا

مالطا الصغيرة والتي تكاد تضيع في أحضان البحر المتوسط وتحت قدم إيطاليا، إلتقطتُها يوماً ما فجأة من الخريطة وقررت زيارتها. تمتد مالطا على ثلاث جزر: مالطا وجوزو وبينهما كومينو الصغيرة جداً بسكانها الثلاثة وفندقيها وشاطئها الشهير (بلو لاقون). في الحقيقة مالطا واحدة من مدن الدهشة بالنسبة لي، الدهشة التي رافقتني طوال زيارتها والدهشة التي أعتقد أنها ستعود لي إن عدت لها مره أخرى. الدهشة التي تشعر بها حين تزور جمهورية بحجم بيت الجد الكبير، بلد لم تنهكه أقدام السياح لذا مازال أهله يعلقون ملابسهم على الشبابيك وخارج البلكونات ومازالت طرقاته متعرجة وبناياته قديمة بلون التراب تخفف من هيبته المشربيات الملونة أحمر أزرق أخضر وأصفر .

trabuxu boutique living أقمت في هذا الفندق البوتيك ذو الأربع نجوم في مدينة Valletta  فاليتا – عاصمة مالطا، يعود تاريخ الفندق لقصر عمره ٣٠٠ سنة كما أخبرتني موظفة الاستقبال وكما أستطيع التخيل من التصميم المعماري له والمادة المبني منها والانحناءات التي تم استغلالها باحترافية. صاحب الفندق كما تقول الموظفة هو مهندس معماري وهو ما يفسر الإعتناء بالتفاصيل حتى أني لا زلت أتذكر و يتذكر من حولي من الرفاق ممن تابعوا الرحلة على السناب شات كيف تنزوي دورة المياه في الغرفة بشكل ذكي ومبتكر كمغارة. يتكون الفندق من دورين ويحتوي على ١٩ غرفة، ذكرني التصميم نوعاً ما بالبيوت العربية في دمشق، بأرض الديار والساحة في المنتصف حولها الغرف. فندق حميمي بتاريخ عريق والموظفين لطفاء ( لا يتواجد الموظفان طيلة اليوم بل فقط إلى الساعة ٨ م  لذلك الفندق مغلق مساءً والدخول له بالبطاقة).

حديقة البركةBarrakka Garden حديقة عامة بإطلالة بانورامية على الميناء، التجول فيها خصوصاً قبيل المساء له لذة مختلفة ودفئ فريد، مناسبة كمحطة استرخاء بين معلمين أو نشاطين. غالباً ما تكون هناك حفلات موسيقية.

قرية باباي Popeye village موقع صغير شمال غربي مالطا تم بناؤه ليكون موقع تصوير لفلم باباي الشهير ثم أصبح مزار سياحي يبعد عن العاصمة قرابة ساعة بالباص وثلث ساعة بالسيارة ( سيارات الأجرة رخيصة في مالطا كما هو كل شيء) مإ إن دخلت القرية حتى استقبلني باباي وزيتونة وبلوتو و كالعادة كان باباي يتشاجر مع بلوتو من أجل زيتونة. أغلب زوار القرية عائلات مع أطفالهم. بنيت القرية على البحر ببيوت ملونة من الخشب تصطف على تلة، منظر البيوت تطل برأسها لتلقي التحية على البحر يأخذ الأنفاس.

جزيرة جوزوGozo Island إحدى جزر مالطا يمكن زيارتها كرحلة يوم واحد وبالنسبة لي كانت نصف يوم حيث توجهت نهاراً بالعبارة التي لم تكلفني على ما اتذكر سوى ٢٠ ريال ولم تأخذ من وقتي سوى نصف ساعة من فاليتا العاصمة إلى جوزو. حين وصلت جوزو لم أفكر كثيراً في خياراتي في اكتشاف الجزيرة إذ كنت أرغب في استغلال كل دقيقة دون احتمالات الضياع أو الحيرة لذلك بمجرد نزولي من العبارة أخذت تذكرة للباص السياحي الموجود عند الميناء ورغم علاقتي المضطربة مع الباصات السياحية في أوروبا حيث أدفع لها وبمجرد الوقوف عند أول نقطة في الرحلة أنزل ولا أعود لها و انطلق مستخدمه باص قدمي السياحي غالباً! لكن في جوزو ظللت صامدة في الباص الذي بدأ يلف الجزيرة مخترقا الطريق الممهد له عبر الجبال، ماراً بالمعابد والأراضي الزراعية إذ تعتبر جوزو منطقة ريفية زراعية تكثر فيها حقول الفاكهة والخضار، بالمناسبة فيها منطقة تسمى (نضارة). في جوزو يغطي الناس أبواب منازلهم بقطعة حصير تسمى بالمالطية (حصيرة) للحفاظ على خشب الباب من الشمس لئلا تتلفه. يقف الباص في عدة نقاط منها حقول وكنائس وسوق شعبي يبيع المصنوعات اليدوية والأطعمة كذلك يقف في نقطة قريبة من البحر حين نزلنا لنصعد الجبل المطل على البحر استوقفتني سيدة وجدت لنفسها محل صغير بين الصخور تبيع فيه كنزات شتوية تحيكها بنفسها ولا يكلفك الواحد منها سوى ٨٠ ريال والكثير من الدفئ والحب.

سانت جوليان إلى سليما، بعد جوزو انتهيت مساء إلى سانت جوليان مدينة ساحلية تشتهر بحياة الليل حيث تصطف المقاهي والمطاعم على التلة وأسفلها البحر. لم أتبع أي توصيات للمطاعم أو المقاهي بل اكتفيت بالمشي بينها والاطلاع على قوائمها وأشكال الأطباق والمشروبات ثم البحث عما إذا كان هناك إشارة لتقييم عالي للمكان وسرعان ما اخترت أحدها واخترت طاولتي المطلة من الأعلى على البحر واستمتعت بالمكان وطاقته قبل الأكل. قطعت الطريق مشياً بمحاذاة الساحل لمدينة سليما ( يقال أنه نسبة للسلام) المدينة  كانت قرية صيد قديماً قبل أن تتحول مدينة سكنية اقتصادية وسياحية. المسافة بين المدينتين نصف ساعة مشي تقريباً. قد يختار السائح إحدى المدينتين للسكن حيث تكثر الفنادق وتمتلئ بالسياح لكني اخترت العاصمة وفندق القصر المندس بين المنازل في حي قديم.

كافيه كورديانا Caffe Cordina رغم التوصيات التي في صف هذا المكان الذي يتجاوز عمره المائة والسبعين ورغم ظهوره في أحد الوثائقيات التي شاهدتها عن السياحة في مالطا إلا أن تجربتي معه لم تكن جيدة لكن سأعزو ذلك لاختياري لطبق غير موفق.

عموماً:

التجول في مالطا لم يشعرني بأني أتنقل في بلد بل في مدينة بمعنى أخرج أول النهار في رحلة بحرية مدتها تقريباً ١٠ دقائق من العاصمة لثلاث مدن أخرى كما هو الحال إلى Vittoriosa, Senglea and Cospicua  أتجول في هذه المدن وأعود قبل العصر للعاصمة، أمشي من مدينة لأخرى أو أجوب جزيرة بكاملها بالباص كما حصل في جوزو.

أنصح بزيارة مالطا للأشخاص الذين يقضون إجازتهم في إحدى دول أوروبا أو يقيمون في أوروبا فترة طويلة، من باب التغيير جربوا مالطا لن تستغرق منكم سوى ليلتين فيها ستزورون جمهورية بأغلب مدنها (: كما أني متأكدة أنها ستكون مختلفة تماماً عن المدن التي تعودتم على زيارتها أو السماع عنها، الشيء المختلف أنها ستمنحكم كمدينة مختبئة على الخريطة الصدق والبساطة التي باتت تفتقدها كثير من مدن أوروبا السياحية الشهيرة.

اللغة المالطية تشبه العربية وربما لاحظتم ذلك في بعض الأسماء التي ذكرتها حتى أني راودني الشك أكثر من مره أن المتحدث أمامي يتحدث العربية، هناك العديد من الكلمات في المالطية هي كلمات عربية فعلاً. أخبرني مقيم ليبي أنهم في مالطا يتحدثون العربية وأعتقد بعد القراءة أنه يقصد العربية الصقلية القديمة.

مالطا آمنة لا شيء فيها يستدعي الخوف أو القلق هذا من واقع تجربتي كمسافرة وحيدة تقضي النهار والليل في الشوارع، ناسها لطفاء جداً ودودين ومرحبين يبادرونك بالحديث ببساطة دون تدقيق كبير فيما يجوز قوله ومالا يجوز، تحدثت مع مارة يقطعون الطريق لأعمالهم ومع قادة سفن وباعة وعابرين كل شخص كان صدره أرحب من الآخر.

المواصلات العامة متوفرة في كل منطقة وفي كل وقت وبأسعار رخيصة سواء باصات أو عبّارات، بالمناسبة الباص من المطار لمكان الفندق لم يكلفني سوى ٢ يورو. سيارات الأجرة أيضاً رخيصة.

أخيراً بشكل عام كانت مالطا من أكثر الأماكن التي شدت المقربين مني وأنا ألتقط صور وفيديوهات لها في السناب شات وأتمنى أن تشدكم هذه التدوينة لزيارتها (:

 

أوكسفورد العظيمة

IMG_6549.jpg

شاهدت مؤخراً فيلم How to get over a breakup يدور الفلم حول فتاة انفصل عنها حبيبها بعد علاقة ست سنوات و كوسيلة للتشافي من الإنفصال تستخدم موهبتها الكتابية في إنشاء مدونة تدور حول العلاقات العاطفية. الحقيقة إن مشاهدة هذا الفلم في وقت أعاني فيه من نزول المزاج الحاد والتخبط في البحث عن طرق جديدة للتكيف ورفع جودة الحياة جعلني أفكر في شيئين أولها أني أحب الكتابة ولا شيء يعبر عني كما تفعل الكتابة، الشيء الثاني أحب السفر وأفتقده مؤخراً وربما هذا الافتقاد سبب مهم لنزول مزاجي. لذا قررت أن أبدأ في التدوين عن السفر والمدن التي زرتها وأتمنى أن يكون ذلك بمعدل مرة أسبوعياً.

سأفتتح سلسلة تدوينات السفر والمدن بمدينة تليق (على الأقل من وجهة نظري)، المدينة التي كانت وجهتي الأولى في أوروبا والتي قضيت فيها سنة من أجمل سنوات عمري، المدينة التي ضحكت فيها وبكيت صافحت الثلج لأول مره ودرست اللغة و فتشت عن قبول للدكتوراه و تعرفت على الكثير من القلوب الطيبة التي مازالت معي إلى الآن و التقيت فيها بنفسي كما لم يحدث من قبل وأخيرا علمتني فن العيش وحيدة بخفة. هذا ما فعلته أوكسفورد بي في عام ٢٠١٣.

أوكسفورد مدينة صغيرة تختبئ جنوب إنجلترا تحديداً شمال لندن الأمر الذي يجعل مثلها عصي على إدراك البعض وهو ما ألحظه عندما أقترحها على السياح الذين يقضون الصيف في لندن ثم يبادرونني بقول ( اييه كل يوم نتمشى باوكسفورد يهبل جوه) يخلط السياح أوكسفورد المدينة بشارع  أوكسفورد في لندن (شارع التسوق الشهير)  وينفطر قلبي ):

ارتبط صيت أوكسفورد كمدينة بجامعة أوكسفورد العريقة والتي رغم اجتهاد جامعات عالمية أخرى للقفز فوقها إلا أن رنة إسمها مازالت تشعر السامع بأنها الأقوى، تضم أوكسفورد بفخر الجامعة العريقة التي تنتشر مبانيها في أنحاء المدينة متركزة في وسطها مما يجعل الجولة في الباص السياحي (hop on hop off) تبدأ بمباني الجامعة وتمرها واحداً تلو الآخر مع الحديث عن تاريخها وأبرز المشاهير والساسة الذين ارتادوها. وجود جامعة أوكسفورد الأم وجامعة أوكسفود بروكس علاوة على معاهد اللغة المتعددة والأمن الذي تتميز به أكسفورد كمدينة جعلها وجهة الطلاب من مختلف الدول رغم أن تكلفة المعيشة فيها عالية كبقية مدن الجنوب سواء من ناحية السكن أو المواصلات أو المصروفات بشكل عام.

على فرض أنك تقضي إجازتك في لندن سأقترح عليك يوم في أوكسفورد. تستقل فيه الباص المتجه لأوكسفورد من محطة Marble Arch  ماربل آرش أو من محطة فكتوريا Victoria ستستغرق منك الرحلة ما لا يزيد عن ساعتين وستكلفك على ما أتذكر قرابة ١٢٠ ريال ذهاباً وإياباً ، سيوصلك الباص لقلب المدينة ووسطها أو تستطيع أخذ القطار لكن عليك التبديل في مدينة ريدينق Reading  عند الوصول لمحطة أوكسفورد تستطيع أخذ باص لوسط المدينة أو المشي مالا يتجاوز ١٠د .

أين تذهب في أوكسفورد؟

ذا جراند كافيه: يعتبر هذا المقهى أقدم مقهى في إنجلترا إذ يرجع ميلاده للقرن السادس عشر. ستصطف غالبا في طابور يتجاوز عتبة المحل للشارع قبل أن تتاح لك طاولة من الطاولات القليلة بالداخل. السقف المرتفع للمقّهى واللون البني الخشبي الذي يغطي كل شيء والأواني المتنوعة ما بين الفضي القديم والانجليزي سيشعرك حتما بتاريخ المكان. كنت أفضل تناول شاي الظهيرة في هذا المقهى لتكتمل التجربة الإنجليزية وأحيانا أتناول الفطور (: أنصح بالمشي للمقهى حتى  يتسنى المرور بالمتاجر المتراصة في ال High Street حيث يقع المقهى.

قلعة اوكسفورد: أحد أهم معالم أوكسفورد، ارتبطت بالحرب الأهلية إذ اتخذتها ماتيلدا قاعدتها قبل أن يحاصرها فيها ابن عمها ستيفن. تستطيع أخذ جولة سياحية مع مرشد داخل القلعة ولا تستدعي هذه الجولة حجز مسبق. جزء من القلعة كان سجن إلى عام ١٩٩٦ حيث أغلق السجن وتحول عوضا عن ذلك لفندق وأصبحت القلعة مزار سياحي يضم مقهى ومطعمين. من الأمور المثيرة للدهشة والضحك بالنسبة لي مع واووووو هو أن غرف الفندق هي زنزانات السجن محتفظة بشكل الزنزانة أصبح يتم تأجيرها على الأفراد وقد تكلفك الليلة فيها ما يقارب ال ٥٠٠ ريال (رفضت صديقتي أن نقيم فيه في العيد بحجة أنه فآل سوء (: ) إذا صادف وجودك في أوكسفورد الربيع أو الصيف فسوف تحظى بفرصة عظيمة لحضور مسرحية لشكسبير في الهواء الطلق في ساحات القلعة وستتنقل من بقعة لبقعة تبعا لفصول المسرحية (كانت من أجمل تجاربي في تلك الفترة) تبدأ المسرحية غالبا آخر النهار وتنتهي ليلا وهنا ستبدأ أنوار الزنزانات أقصد الغرف بالإشتعال وتطل رؤوس السكان منها لمتابعة  المسرحية. إذا قررت أخذ جولة في القلعة ستشاهد بقايا آلات التعذيب وحين يخبرك المرشد أن السجن كان يضم أيضا كل من يتكلم عن الملكة أو يعارضها وكانت العقوبات تتفاوت وتشمل قطع اللسان ستعرف أن الحرية حديثة عهد في كل مكان.

متحف اشمولين: أحد أكبر متاحف أوروبا وثاني متحف بعد المتحف البريطاني، يقع في وسط المدينة، كبقية المتاحف مجانيو يوجد فيه جناح للحضارة الإسلامية باسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز.

مكتبة بودلين: مكتبة جامعة اوكسفورد، تتربع في قلب أكسفورد ببنائها الأسطواني وقبتها الرمادية، تعد ثاني مكتبة بعد المكتبة البريطانية في لندن، المرور من هذه المكتبة وتصويرها أمر ستكتشف أهميته حين تقابلك البطاقات التذكارية للمدينة وهي تحمل صورة هذا المعلم. التسجيل فيها على ما أتذكر يستدعي أن تؤدي قسم يتم تسجيله صوتيا تقسم فيه بالحفاظ على ممتلكات المكتبة(:

نزهة بالقارب: ينال أكسفورد نصيب من نهر التايمز فيه تزدحم القوارب الخشبية وهواة ومحترفي التجديف علاوة على طلبة اوكسفورد أعضاء نادي التجديف (تقام سنويا مسابقة تجديف بين طلبة كامبريدج واوكسفورد). لم أعد يوماً لأكسفورد في زيارة أو بصحبة سائح إلا وكان لركوب القوارب نصيب من وقتي وإن كان الأصدقاء دائما يعترضون على محاولاتي تولي زمام التجديف ):

السوق المغلق: سوق اوكسفورد الشعبي الذي تطل إحدى مداخلة من الشارع الرئيسي تحت مسمى ممر الصليب الذهب ويرجع هذا السوق للقرن الثامن عشر (أذكر أن هذه المعلومة من المعلومات التي شدتني حين كنت أقرأ عن أوكسفورد قبل سفري لها ). يشتمل السوق على بعض المتاجر المحلية العائلية وبعض محلات الأطعمة واللحوم والمقاهي. إذا كنت كسائح من عشاق الملك شيك هناك محل حتما سيعجبك.

هاري بوتر: من أكسفورد مرّ هاري بوتر حيث تم تصوير مشاهد من الفلم في مكتبة بودلين وبعض كليات جامعة أوكسفورد ويستطيع السائح أخذ جولة في هذه الكليات والجلوس على الطاولة التي كان هاري بوتر وزملائه يتناولون عليها طعامهم أوالاصطفاف على الكراسي التي كانوا يجلسون عليها في المحافل أو تجريب إلقاء كلمة من المنبر.

مسرح شيلدونين : هو مسرح جامعة أكسفورد تقام فيه عروض مسرحية مقدمة من قبل طلبة أوكسفورد غالبا كما تقام فيه عروض الأوبرا التي تقدمها الأوركسترا الخاصة بالجامعة، أتذكر أني في أول أسبوع لي في أوكسفورد حضرت فيه أحد عروض الأوبرا، كان المسرح بسيط وصغير لكنه أثري. عموما هذا ليس المسرح الوحيد في أوكسفورد لكن هو الذي لن يبدو ظاهراً للجميع أو ربما يظن البعض أنه خاص بمنسوبي الجامعة فقط.

بيسترفيليج Bicester Village : مركز تسوق البضائع المخفضة الشهير والذي يضم أغلب العلامات التجارية،  يقع هذا ال outlet  على مقربة من اوكسفورد، هناك باص ينطلق في فترات مختلفة من اليوم للقرية بستر لا يكلفك ٢٠ ريال والمسافة قرابة ثلث ساعة. لكني لا أنصح أن يكون في خطة يوم واحد هو و اوكسفورد.

سأنهي التدوينة هنا على فرض أن الخطة يوم واحد كما أن مالم أذكره هنا سواء عن مركز التسوق الحديث في اوكسفورد أو عن حدائقها أو المطاعم والمقاهي هو شيء متاح في كل مكان آخر وفرع لسلسلة منتشرة حول بريطانيا.

تحذير: كتبت هذه التدوينة بعين الرضى والحب لذا أنا غير مسؤولة عن أي توقعات عالية وعن أي خيبة أمل كل ما أستطيع قوله لكم عند زيارتكم أوكسفورد ” خوذوا عيني شوفوا بيها”..

 

 

الطبخ كحيلة نجاة

IMG_6260

منذ أربع سنوات تقريباً تعلمت حيلة جديدة للقفز على الضغوط والنجاة من نزلات المزاج، هذه الحيلة هي الطبخ بحب والخبز بشغف حيث انخرطت سنة وراء سنة في ممارسة الطبخ وتجريب الوصفات الجديدة وخبز الخبز والكعك كمحاولة للتخفيف من التوتر والقلق والتنفيس المحمود أيضاً. تفننت في إدارة حيلتي فاتجهت للأكل الصحي الذي يستدعي قائمة تسوق خاصة وإعداد كافة تفاصيله في المنزل مما يجعل إعداد طبق ما بمثابة مشروع تعمل عليه جميع الجوارح ويساعد ذلك بشكل كبير في التخفيف من الضغوط والشعور بالإسترخاء. الحقيقة أن هذه الحيلة كانت ناجحة ١٠٠٪. إذ أنخرط تماما في الطبخ وكلي حماس ونشاط وتركيز ثم يأتي شعور الفخر حين تنجح الوصفة التي لاحظت أنها في هذه الحالات تكون من أنجح ما طبخت وأكثره لذة. أتذكر تعجب صديقتي هتاف من حالة انشغالي بالطبخ والخبز قبل مناقشتي بأيام قليلة وتعليقها الساخر لاحقاً ” والله اني محترمة اللي تعانين منه عشان كذا مخليتك تطبخين اللي تبين” وصل بي الفن في إدارة الضغوط في ذلك الوقت إلى لف أعواد من الخيار والجزر في ورقة خس وتثبيتها بعود خشبي على رأسه حبة طماطم كرزية، صنع المربى وأنا التي لم اشتريه في حياتي مطلقاً، خبز الكوسة والموز، إعداد جبنة الكاجو، تجفيف الطماطم، خبز الفوكاتشا الإيطالية وإعداد حمص اليقطين وحمص الشمندر. الآن وأنا أمر بعدد من الضغوط وبعض القلق أتشبث بحيلتي للنجاة، أخبز الكعك وأنشغل بشراء قوالب السيليكون والأكواب المعيارية الملونة والمزخرفة، أجهز السلطات وأنشغل بالمشي يومياً إلى الدانوب بكيس قماشي يعود بالخضروات التي يقع عليها الإختيار، أجرب طبق جديد وأنشغل بصف مقاديره على طاولة المطبخ وإدارة الأسطوانة على الجرامفون بما يتناسب مع مزاجي ومزاج الطبق.

لحظة لحظة! تعرفون ما الذي جاء بالمقدمة الطويلة أعلاه؟ ما الذي جاء بهذه التدوينة أصلاً؟  طبق فلافل منزلي (: لكم أن تتخيلون أن حبات فلافل ولدت كل الكلام السابق والأفكار المتسارعة في ذهني عن علاقة الطبخ بالتوتر والضغوط لدي.

اليوم حين انصرفت من الدوام مرهقة للغاية قصدت الدانوب عوضاً عن المنزل، حبة ليمون واحدة، بصلة واحدة وكزبرة ثم ماذا؟ ثم أعود للمنزل من أجل الحمص المنقوع منذ ليلة البارحة. انشغلت بإعداد الفلافل والحمص ضمن مشروع عمل جاد وممتع يشرف عليه Ella Fitzgerlad & Louis Armstrong  و Sam Smith حتى انتهينا بالطبق في أعلى التدوينة وهنا الوصفة التي جعلتني أثرثر وأكتب تدوينة:

كوب حمص منقوع ليلة

عصير ليمونه صغيرة

ملعقة دقيق

قليل من الملح والفلفل الأسود

كمون

بقدونس وكزبرة ( الكمية حسب رغبتي)

بصلة صغيرة

ملعقة شاي بيكربونات الصوديوم

تخلط جميع المقادير في محضرة الطعام ثم تكور العجينة وتشكل حبات فلافل وتوضع في القلاية الهوائية لمدة ١٤ دقيقة حتى تحمر ثم تقدم مع الحمص والخضار المفضلة وبالهناء والعافية..

ملاحظة: الفلافل كانت ناشفة خالية تماماً من الزيت وهو ماقد لا يروق للبعض لذلك من لا يرغب فيها ناشفة عليه قليها في الزيت أو ربما دهنها بالزيت..

شكراً للفلافل حيلة النجاة لهذا اليوم.. ماذا عنكم هل سبق وجربتم الطبخ كحيلة للنجاة؟