اليونان: بعيداً عن سانتوريني وميكونوس!!

ظلت زيارة اليونان تتصدر قائمة أمنياتي لسنوات، احتفظت بها وعاملتها بقداسة بانتظار وقت يليق لتنفيذها وخطة مدروسة تستحقها أرض الحضارات والآلهة. شيء من الهيبة ظل يحيط اليونان ويرجئها من سنة لأخرى حتى جاء صيف هذه السنة وكانت اليونان واحدة من دول قليلة تستقبل السياح دون اشتراطات صارمة أو صعبة ويبدو أن هذا الخليط : بلد عظيم دون شروط صعبة (لا حجر مؤسسي ولا منزلي) مغري للكثير فلم أكن الوحيدة التي حاولت في يونيو الحصول على التأشيرة الكثير فعل مثلي مما جعل أقرب موعد يمكن الحصول عليه بعد شهرين!!  عدلت سريعاً عن الفكرة وغيرت وجهتي.

أثناء قضائي للعطلة في وجهتي البديلة (بريطانيا) كانت صديقتي أولغا اليونانية المقيمة في لندن تستعد للسفر لليونان لقضاء إجازتها السنوية. منذ عرفت أولغا وأنا أراها قبيل السفر لليونان وأثناء الاستعداد له تبدو كمن يُبعث من جديد، الكثير من الفساتين الصيفية الملونة ، صنادل الشاطئ، القبعات، طلاء الأظافر بألوان مشرقة والكثير من الحياة في كل ماستحمله في حقيبتها. الحياة المضادة للجينز الأزرق والجزمة الرياضية وحقيبة الظهر. صاحبت أولغا في بعض جولات التسوق وكنت الحاضر الوحيد لعرض أزيائها اليونانية في غرفة الجلوس خاصتها،  كنت أصفق لكل فستان قبل أن يأخذ مكانة في الحقيبة التي ستطير لليونان. لم يخطر ببالي ولو للحظة أني سأرآه مره أخرى لكن في مشهد حقيقي وعلى أرض الواقع اليوناني. قرب عودتي للسعودية اخبرت أولغا أنني ربما أسافر لوجهة أخرى لا اعلم أين لكن مازلت لم أنته من الصيف ولم تنتهي العطلة مني ودون ديمقراطية في مساعدتي باستحضار وجهات مناسبة بادرت قائلة: تعالي اليونان؟ هذه المره لم تكن مثل السنوات الماضية التي تقول لي فيها لا بد أن تزوري اليونان وأجيب طبعاً قريباً وينتهي الأمر. هذه المرة كانت الصيغة آمره أتبعتها من جهتها بخطة واضحة تقفل علي باب أعذار الوقت والخطط وغيره. أقنعتني باجازة نهاية أسبوع طويلة فقط في منزلهم على الشاطئ. أمام دهشتي أنا التي قضيت سنوات أحمل اليونان في قائمتي كالذي يمشي بهدوء لحلم عظيم ويخشى الوصول له وبين ترددي و واغراءاتها وصلنا لحل في المنتصف؛ إن حصلت على موعد تأشيرة فازت خططها وإن لم أحصل أبقيت على مهابة اليونان في قائمتي..

منزل عائلة أولغا الصيفي على أحد شواطىء لافيرو

الطريق إلى أثينا

فازت اولغا وطرت لليونان.. أثينا أول محطات الرحلة، مدينة القدوم والعاصمة ومحتضن البارثنون. عندما هبطنا من الطائرة لاحظت أن أغلب المسافرين  توجهوا لاكمال رحلتهم داخلياً إلى ميكونوس أو سانتوريني حتى أن أحد المسافرين اليونانين في الطائرة توجه لمجموعة من الفتيات وسألهم بكل ثقة وبابتسامة العارف : ذاهبات لميكونوس ؟ كنت أراقب الحوار وأقول في نفسي لماذا يعتقد أننا لا نعرف سواها حتى أجابته احداهن بنعم وسكت حديث نفسي.

ما إن تعديت منطقة الجوازات واستلام الحقائب حتى وجدت أولغا بانتظاري. شعور دافئ  أن يكون لك صديق في كل بلد وكأنه سفير بلده الخاص بك وحدك أو قريبك الذي يمنحك امتياز ال (منهم وفيهم) فلا تسأل الاستعلامات عن موقع الباصات أو القطارات ولا تبحث عن جدول مواعيدها ولا تستقل أول سيارة أجرة وتمد العنوان لسائقها بلغته التي لا تحاول العبث معها وقراءتها ثم ينتهي مالايمكن اعتباره حوار بك محتلاً المقعد الخلفي غريباً في مدينة لا يعرفك فيها أحد. وجود صديق لك في أي بلد تزوره لا يجعل منك مجرد سائح غريب وإنما (صاحب محل). في السيارة بجانب صديقك وليس خلف سائق التاكسي تحظى بثاني امتيازاتك؛ مرشد مخلص تماماً يحدثك عن كل ماتمر به ويجيب تساؤلات الطالب بحب المعلم الشغوف الذي لا يهاب الأسئلة.

مسرح هيروديس أتيكوس

البارثنون

مشينا صعودا لجبل الاكروبوليس للوصول لهذا المعبد الإغريقي الذي يمد عنقه ليتفقد أرجاء أثينا فتراه فيها حيثما رفعت رأسك. تجمع زيارته بين الهايكنج صعودا له وتجوالاً حوله  وبين الإطلالة العظيمة التي تقول لي أولغا عنها: أرأيتي منيرة حصلنا على اطلالة مجانية  على أثينا. في ليالي الصيف كانت تقام بعض الأمسيات والعروض الحية في مسرح هيروديس أتيكوس في منطقة البارثنون لكن مع الجائحة توقفت وكلنا أمل أنها ستعود وسنعود لأثينا لنعيش شرف التعرف على الوجه الأصلي للمسرح.

بلاكا (المدينة القديمة)

أجد في المدن القديمة فتنة مختلفة روح خاصة تجعلني أقع في غرامها مرة بعد الأخرى ومدينة بعد أخرى وهذا ماقدمته لي بلاكا. الأزقة الضيقة ، المطاعم والمقاهي المصطفة على العتبات بمراتب وطاولات ملونة وكأن أثينا تصرّ على المحافظة على هويتها المسرحية في كل زقاق فيصطف الناس على العتبات ويكون الشارع مسرح مفتوح دون تذاكر. الجدران والأبواب الملونة والنوافذ التي لا تقل عنها لوناً، محلات التسوق الصغيرة بتذكارات البلد المرتبة على جدرانها، السياح وهم يتحولون لعارضي أزياء يتموضوعون بطرق  احترافية أمام الكاميرا كل هذا يجعل وسط المدينة القديمة معرض فني مجاني بلوحات محلية وعالمية تحرّك المصور بداخلك والروائي والعاشق المتيم .

زيارة بلاكا مع البارثنون هي ماكنت أحمله في أجندتي الهزيلة. تسكعنا في المدينة القديمة والتسكع هوايتي المفضلة في السفر بل إنها الغاية التي أسافر لأجلها مؤخراً، أسافر لأتسكع في الطرقات لأضيع فردا بين الجموع يجد نفسه كل مره أمام دهشه جديدة لأنه لا يحمل خارطة تقتل الدهشة وتخبره مسبقا أين ستقوده خطاه. العجيب أن سعادة أولغا ودهشتها تنافس سعادتي ودهشتي وكأنها المرة الأولى التي تزور المكان مبررة ذلك بأنها أخذت جمال بلاكا كمسَلمة منذ سنوات فلم تعد تستشعره! أعتقد أن الوقوع في فخ المسَلمات هو مايقتل الاستمتاع البسيط بالحياة ومافيها.

الطعام

لم نلجأ لفورسكوير ولا ترب أدفايزر ولا غيرها من التطبيقات لاختيار المطاعم التي سنأكل فيها أو المقاهي التي سنحتسي قهوتنا فيها. كل ما زرناه كان دون معرفة سابقة لكن بإيمان عميق أن الطعام في اليونان لا يمكن ان يكون إلا لذيذ أو لذيذ. أحيانا نعتمد الازدحام في المطعم كمؤشر لكن بالغالب جميع المطاعم مزدحمة واحياناً شكل الأطباق على طاولات الزبائن كما أن تركيزنا على مطبخ واحد وهو اليوناني فقط سهل من العملية إذ أن أي مطعم يقدم صنف آخر كنا نستبعده تماماً .

أخيراً قابلت السلطة اليونانية على أصولها بعد سنوات من العلاقة العاطفية عن بعد. جلست أمامي بزيها المعتاد أحمر أخضر بنفسجي وقبعة بيضاء مزينة بنقوش خضراء . هذه السلطة الأبسط مكونات بين السلطات والأعظم نكهة مابين حلاوة الطماطم وملوحة جبنة الفيتا وحمضية الزيتون خليط متجانس يدلل حواسك وينقل خبراتك مع المذاق لبعد آخر. بين كل لقمة والأخرى التفت لأولغا وأتساءل: أنا أستخدم نفس المكونات تماماً و أضع الجبنة بنفس الطريقة كلوح كامل يعلو رأس السلطة وأرشها بالزعتر البري لكن لا أحظى بذات المذاق!! تضحك وتقول المكونات طازجة زيت الزيتون من المزارع وليس مستورد.

في اليونان الطعام لذيذ جدا ورخيص، اللحوم لها شعبية كبيرة خاصة السوفلاكي (الشيش طاووق) والجيرو (الشاورما) الأمر الذي جعلني أكسر حميتي الغذائية القائمة على عدم تناول اللحوم الحمراء والدجاج. تناولت ساندوتش الجيرو (شاورما الدجاج) لأول مره بعد أكثر من ثلاث سنوات من القطيعة على اعتبار أنه أحد معالم البلد الأساسية والتي يجب الوقوف عليها (لم تتألم معدتي وهو ماكنت أخشاه لكن أيضا لم أشعر بلذة خاصة وأعتقد أن الخلل فيني لذا اكتفيت بمرة واحدة فقط) ..

الجزر

الحديث عن اليونان يعني الحديث عن أكثر من 2000 جزيرة، يحتاج المسافر لأشهر لاكتشافها والتجول بها بقلب مفتوح على الجمال الخاص بكل جزيرة. التنقل عبر الجزر متاح جواً وبحراً، غالباً التنقل البحري عبر العبارات هو الوسيلة المفضلة خاصة للسكان المحليين أما السياح فالبعض قد يفضل اختصار المسافات بالطيران. في رحلتنا زرنا جزيرتين: جزيرة كيا و جزيرة ناكسوس. الأولى صغيرة غير مشهورة أبدأ لكنها مزار صيفي للسكان المحليين وبها عدة شواطئ قضينا نهارنا على شاطئ كوندورس (أكبر وأفضل شواطئها) . أما الثانية فهي من أكبر جزر اليونان ولا تقل جمالاً وحياة عن الجزر المشهورة لكنها ربما تقلّ صخباً، بها أيضا عدة شواطىء متفاوته مابين الكبير المعروف ومابين الصغير الهادىء (وإن كنت لا أؤمن بوجود شاطىء هادىء في الصيف اليوناني)

برنامجنا في الجزر محدد النهار كله على الشاطىء مابين البحر والاسترخاء ومراقبة سلوك الناس وهو لعبتي المفضلة في السفر ومابين شرب القهوة المثلجة والعصير وتناول وجبة خفيفة. المساء نتسكع بين الأزقة المرصوفة بالحجر الرمادي والجدران البيضاء والأبواب التي تغلبها الزرقة ويزاحمها قوس قزح من طاولات المقاهي وديكورات المحلات. لوهلة تشعر أنك بطل في مشهد من رواية حالمة يفتح فيها أب باب بيته ليجد بجانبه مطعم وأمامه محل مشغولات يدوية ويزاحم زقاقه الكثير من العابرين (ياالله إنا نسألك دفء الجزر ونعيمها). نختم تسكعنا بوجبة العشاء التي تمتد لساعات وهو ما أعرفه جيداً عن اليونانيين وأعتقد عن جميع شعوب البحر المتوسط: الوجبة حدث اجتماعي ممتع وليس تأدية واجب لاسكات المعدة.

الريفيرا الأثينية (بحيرة فولياجميني)

تبعد ساعة بالسيارة عن لافيرو، الطريق إليها متعة بحد ذاته خاصة إذا ماكان مصحوب بأغاني يونانية قديمة لا تفهمها لكنك تطرب لها (: تصطف الجلسات على مدار البحيرة التي سميت بهذا الاسم والذي يعني (الغارقة) نسبة لما يقال عن وجود مدينة ضائعة غارقة تحت البحيرة.. مياه البحيرة تستخدم للاستشفاء ومعالجة امراض المفاصل ومشاكل البشرة. تحوي الكثير من الأسماك الصغيرة التي تقدم لقدميك مساج مجاني.. هناك أيضاً منتجع صحي الدخول له خلف البحيرة وبين الأشجار نزهة بحد ذاتها وهو ما تبدو موظفة الاستقبال متاكدة منه وهي تقول لي بابتسامة : اسمحي لي الآن بمفاجأتك بينما تقودني وسط الأشجار وأصوات العصافير والموسيقى وصولا لسرير تقدم عليه خدمة التدليك .

حكايات الشواطئ

اللعبة المفضلة ؛ مراقبة الآخرين والتقاط حكاياتهم بقلب مرهف. أراقب كيف يقضي أب قرابة ساعة يغطس في البحر بشبكة صغيرة لأكتشف لاحقا أنه يحاول العثور على لعبة صغيرة سقطت من طفله وأسقطت ابتسامته. أراقب كيف تلعب (نولا) ذات السنتين مع اخوتها ومجموعة من الأطفال بينما تأتي والدتها كل ربع ساعة وتحمل إناء بلاستيكي تجلب فيه ماء من البحر وتتحدث بحنان بالغ معها ويبدو أنها تخبرها حتى لا تتفاجىء بأنها ستسكب الماء على جسمها حتى تحافظ على الرطوبة أمام شمس لا ترحم وحين تغيب الوالدة تأتي سيدة أخرى وتلعب مع (نولا ) نفس الدور. أراقب كيف يحضر بعد الظهر زوجان في أوائل الستينات وكأنهما بزل مكون من قطعتين فقط لكنه يحمل صورة كبيرة جميلة وعظيمة، كل فعل من الزوج يقابله فعل متناغم من الزوجة دون اتفاق مسبق ودون غمزة عين حتى! الشعر الفضي لكلاهما ، النظرة التي تخبر من أي خلفية اجتماعية جاءا، السيجار الالكتروني في اليد اليمنى لكليهما، الدخول للبحر بجانب بعض والخروج دون أن يكسر البحر هذه المسافة التي يبدو انها أعمق منه. يأخذان غفوتهما على الشاطئ وأغفى معهما أفكر : حبيبان منسجمان تزوجا أم زوجان تحابا فانسجما؟ غفيت في هذا الشاطىء على المعنى الأعمق من الحب واستيقظت في شاطىء آخر خلف الفندق الذي نزلنا فيه في جزيرة ناكسوس على النادل يمد لي فاصل كتاب ويخبرني أنه عثر عليه في بقعة ما على الشاطئ، الكثير غيري بيده كتاب والفاصل لم يكن قريب منا بل جلبه من بقعة بعيده لكنه فعلا لي وكيف لا أعرفه وقد كتب عليه ” ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا” أتراني الوحيدة التي ينبىء وجهها بأنها فقط بحاجة لسبيل هذا طبعا إذا افترضنا إجادته للعربية!

البنت الحلوة (نولا) وآثار حنان الأم على جسدها

 الشعب اليوناني

يكفي أن أقول لا حاجة مع اليونانين للقلق فيما يتعلق بالتقبل واللطف ، ستكون بسلام وحب بينهم. اضطرت أولغا مره لاستخدامي لاقناع العاملة اليونانية بأهمية حصولنا على كراسي ممتازة على الشاطىء وأنه من غير المعقول أن تقول أنها جميعها محجوزة وتحرجها أمام الضيفة السعودية المتحمسة لليونان وأهلها. تراجعت الموظفة أمام الكرت الذي لعبت به أولغا واعتذرت بمنحنا مقاعد في الصف الأول المقابل مباشرة للشاطىء وعبرت عن سرورها بزيارتي وعند خروجنا سألت بحرص ما إذا كنت حظيت بوقت طيب. أستطيع أن أقول لطف العاملة لم يكن استثناء فطيلة الأسبوع الذي قضيته في اليونان والجميع يعاملني بلطف ، العاملين في المطاعم والمقاهي ، مقدمي الخدمة على الشواطىء، الباعة في المحلات، الشعب بشكل عام كلما خرجت بمفردي واحتجت لمساعدة أو ارشاد وسألت أحدهم حتى وإن لم يعرف الانجليزية فإنه يصطحبني لغايتي. بشكل شخصي لم أواجه سوء أو مضايقة. الحديث عن الشعب دون الحديث عن العائلة المستضيفة يعتبر جحود للنعمة، عائلة أولغا كانت المرادف لكلمات كثيرة كالحب والكرم واللطف ، جميعهم كانوا حريصين على أن أحظى بتجربة ثرية في اليونان ، جميعهم كانوا فرحين بالزيارة ، والدتها كانت المرشد المساعد، بقلب الأم كانت تتابع خطواتنا على قصتي في انستقرام لم يمنع حاجز اللغة من وصول مشاعرها لي عبر الرموز ، في ختام كل يوم كانت تتصل لتعلّق مع والد أولغا على جمال اليونان بعينيّ ومن خلال صوري على انستقرام وعن مدى سعادتهما لأن بلدهما يبدو هكذا من زاوية زائرة أجنبية. أخيراً، هل هناك جانب سيء أم ان صورة الشعب مشرقة تماماً؟ الإجابة كما في أي شعب في العالم هناك جانب مشرق و آخر مظلم لكن الحمدلله أني لم أتعرض للمظلم . حرصتنا والدة أولغا على أن لا أرتدى المجوهرات الباهظة الثمن أثناء التسكع في مناطق معينة من أثينا إذ أن هذا قد يعرضني للسرقة لكني أعتقد أن هذه الاحتمالية واردة في كل بلد ولأني لست أساساً من مرتدي المجوهرات الباهظة الثمن في السفر لم أشعر بأي مخاوف.

الراعي الرسمي لهذه الرحلة الصديقة اليونانية العظيمة أولغا

التكاليف

في كل رحلة أقول قولي هذا : التكاليف غالبا ستكون بيدك ، أنت من يجعلها عالية أو منخفظة أو متوسطة بخياراتك. في هذه الرحلة لا أستطيع أن أعطي تصور دقيق لأني سكنت وتنقلت مجانا عدا ليلتين قضيتها في فندق (أربع نجوم) في جزيرة ناكسوس كلفنا لشخصين 200يورو، أراه سعر ممتاز و لا تتفق معي أولغا! لم أستخدم المواصلات العامة سوا مرة في المترو لكن بشكل عام وعلى ذمة أولغا المواصلات العامة في أثينا جيدة. بالنسبة للأكل لم تتجاوز الوجبات طيلة رحلتي 20 يورو للشخص. في التنقل البحري تتفاوت الأسعار حسب الجزيرة التي تزورها لكنها غير مبالغ فيه وفي المتناول والخيارات منوعه مابين عبّارات سريعة و أخرى عادية و مالبين مقاعد اقتصادية ومميزة. بشكل عام ربما أنقل اجابة أولغا لي في الميزانية اليومية : 50 يورو ممتازة جداً.

الاسترخاء كفن يتقنه اليونانيون

قضيت اجازتي في اليونان برعاية أولغا وتحت مظلة شعارين: نسترخي من الاسترخاء ونتجهز ببطء ببطء. كلما تسائلت عن خطة اليوم أخبرتني أنها كالتالي: سنسترخي ونتناول القهوة ثم نذهب لنسترخي على الشاطى ونعود للسكن لنسترخي من الشاطىء ثم نستعد للخروج مساءً ولكن (تنبيه للشخص الحريص بداخلي) ببطء ببطء. في أول الأيام لم تستوعب اعداداتي أني لا يجب أن أقفز من السرير وأرتبه واغتسل واستبدل ملابس النوم وأعد القهوة واجلس على الصوفا لتناولها وكأني روبوت سريع ! يقتضي الروتين اليوناني أن استيقظ ببطى وأتأمل في فراشي كيف أن أيامي هنا وبصحبة أولغا سعيدة ثما ببطء أبدأ يومي وأذكر نفسي أننا سنحظى باليوم بكل تفاصيله كما يجب لكن ب(رواق) وسيحدث كل شيء على أقل من مهله. للأمانة لم أعتقد أن هذا التكنيك سينجح معي أنا القادمة من مدينة وعائلة أفرادها عنوان حياتهم (على صفيح ساخن) بتعبير شعبي أحسبه معروف (حارين) وحريصين.

ختاماً رحلة اليونان كانت (هايليت) الصيف ، عدت منها أذكر نفسي يومياً بقاعدتين لإدارة شؤون الحياة : الاسترخاء وببطء ببطء

يحدث في المرآة الخلفية!

تنبيه أول : هذا المشهد تم رصده من مرآة خلفية لسيارة تقف في الصف الأمامي عند إحدى اشارات الرياض وعليه قد يكون واقع حقيقي خاصة إذا أخذنا بشهادة المرايا الجانبية بأنها الوحيدة التي تبدو منها الصورة (غير حقيقية)!

لا تفلح الكمامة المصنوعة من قماش أسود والتي تغطي نصف وجه الراكبة في المقعد الأمامي في السيارة الخلفية في تغطية الغيظ المتّقد في عينيها! السائق بجانبها يكشف عن نفسه كمتهم أول في تعكير مزاجها و تلتصق التهمة به أكثر عندما ينطلق في أحاديث تبدو من حركة يديه و نظرات عينيه أنها أحاديث متطايرة لا معنى لها ولا تسير في وجهة معينة. يرفع يده اليمنى إلى الأعلى بشكل سريع ومبالغ فيه بالنسبة لسائق يقف أمام إشارة حمراء بينما يستدير الجزء العلوي من جسده ناحيتها، يبدو أنه يحكي لها عن مغامرة شاهد فيها بركاناً ثائراً تندفع حممه للأعلى دون أن يدرك أن بجانبه بركان خامد الله وحده يعلم في أي لحظة سيثور.  فمُه المزموم كمن ينفخ الهواء في تزامن مع يده المحلقة تجعل التنبؤات متفاوتة وغير مستقرة على رواية البركان الثائر خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار الصورة الظاهرة على شاشة الإعلانات التجارية المقابلة والتي تحمل قدر ضغط والآخر مجاناً وقد رُبط الاثنين بشريطة حمراء جُمعت أطرافها في المنتصف وعقدت على شكل وردة، ربما كان السائق يقص لصاحبته إحدى تجاربه الفاشلة مع (قدر الضغط) حين فتحه فانطلقت محتوياته باتجاه السقف! ستكون هذه القصة الأسوأ على الإطلاق التي يختارها شخص يحاول مساعدة شخص آخر في التنفيس عن غضبه المكتوم .

 بالاستسلام لتفسيرات أبسط وسيناريوهات أقل تعقيد لمرأة صامتة بجبين مقطب في المقعد الأمامي من سيارة صغيرة وسائق لا يكف عن الثرثرة بينما ترتفع يده في حماسة شديدة ويستدير جسمه باتجاه المرأة عن يمينه  فقد يكون فرط التوتر عبث بلغة الجسد لدى السائق لتصبح شاذة ولا تتناسب مع محتوى حديثه، فيرفع يده كبركان ثائر أو كغطاء لقدر ضغط منفجر بينما هو في الحقيقة  يتحدث عن ثناء مديره في العمل على آخر مشروع سلمه له أو ليتحدث عن اعجابه الشديد بمشروب اللاتيه العربي الغني بالهيل والذي اكتشفه مؤخراً  لدى مقهى (جافا) المجاور لعمله أو أي ثرثرة تافهة تحاول اصلاح ما فَسُد من المزاج وما كُسر من الخاطر..

كل حماسة السائق والمواقف التي يسردها لم تُصب هدفها في كسر الجليد وزعزعة صمت المرأة الغاضبة والمسح على خاطرها! يصمت لثانية ثم يلتفت ناحيتها  ويضحك بقوة مبالغ فيها يبدو هذه المرة أنه يجرب حيلة (الضحك عدوى) لكن مناعتها تبدو قوية ضد هذه النوع من العدوى. يعيد وجهة لموضعه الطبيعي للأمام وعينه على الإشارة التي يبدو أنها تتآمر مع رفيقته فتُطيل حمرَتها لتعذبه بمزيد من الصمت الذي لا يقطعه شيء سوى الأحاديث المرتبكة من طرف واحد.. يعيد وجهة باتجاهها وفي هذه المرة يستخدم فنية الأسئلة يبدو ذلك من نظرة عينيه المتسائلة وايماءات رأسه التي أخيراً قابلتها ايماءة واحدة سريعة من الطرف الآخر لتقول نعم دون تفاصيل وتقتل محاولة استدراج الصوت وتحتج على محاولات عودة الحياة لطبيعتها بالإكراه!

محاولة أخيرة يتجرد فيها من أسلحته ويواجهها أعزل من كل شيء إلا من نظرة ندم واعتذار صامتة تنزل معها اليد المرتفعة وتسكن الضحكة قبل أن تتحول الاشارة لخضراء مصحوبة بمنبهات السيارات خلفهم ولعنات السائقين.

تنبيه أخير: السيارة في الصف الأمامي عالقة عند الإشارة منذ سبع دقائق يتناوبها الضوء الأحمر والأخضر حتى وصلت لمكانها الحالي والأخير وعليه قد تكون مصابة بالصداع وتشوش الرؤية مما قد يجعل المشهد (غير حقيقي)!

أن تستضيف غريباً في منزلك

حضرت العام الماضي( مجلس سفر) في مساحة مكانة وهو عبارة عن تجمع شهري لمجموعة من الشباب المهتمين بالسفر. أثناء الحديث عن السفر ومغامراته جاء ذكر couchsurfing واستخدام بعض الحاضرين له عند السفروالمفاجأة بالنسبة لي حين ذكر أحدهم تجربة أحد الشباب في استضافة زائر أوروبي في منزله في السعودية من خلال الموقع. تكمن مفاجأتي في أني كنت أعتقد أن الموقع غير نشط في السعودية من ناحية الاستضافة.

لمن لا يعرف couchsurfing هو شبكة تواصل اجتماعي للمهتمين بالسفر. ارتبط اسمه غالباً بالسكن المجاني وهذا صحيح إذ تستطيع من خلاله الحصول على مستضيف يفتح لك باب بيته في الوجهة التي تقصدها ودون مقابل سوى اهتمامه بالإطلاع على ثقافات متنوعة وتكوين علاقات اجتماعية وهو إما مستخدم له ومستفيد منه فبالتالي هي عملية تبادلية أو ربما شخص شغوف بالآخر والانفتاح عليه لكن ظروفه لم تسمح له بالذهاب لهذا الآخر ففتح بيته له واحضر لبيته العالم الذي لم يستطع السفر إليه.

مفردة (الكنبة) في اسم الموقع يعني أن المستضيف سيفتح لك باب بيته سواء خلف الباب غرفة مستقلة لك أو مجرد سرير أو حتى كنبة في غرفة المعيشة. من المهم طبعاً أن تفرق بين الموقع وبين أماكن الإقامة على بوكينج وAirbnb ، ليس الفرق الوحيد أنك ستدفع مقابل في الخيارين الأخيرين إنما الفرق الأهم كما ذكرت إحدى المستخدمات (المستضيفات):” منزلي ليس فندق ولا نُزل تسجل الدخول له ثم الخروج منه مقابل المبيت وتنظيف غرفتك وإعداد طعامك” الكثير من المستضيفين يذكرون النقطة السابقة بالخط العريض للتأكيد على أن الاستضافة المجانية أكبر من مكان لوضع حقيبتك وأرض تنام عليها خلف باب مغلق.حين استضيفك مجاناً أتوقع أن نتشارك الأنشطة وأن نتبادل الأحاديث وأن نتعرف على ثقافاتنا المختلفة وأتوقع منك أن تعتني بنفسك وحاجاتك ولا تتوقع مني أن أتولى ذلك عنك كذلك لا تتوقع مني أن أرتبط معك وبك تماماً.

سجلت في الموقع منذ أكثر من ثلاث سنوات حين كانت ترادوني أمريكا الجنوبية عن نفسها، إذ بدأت البحث فيه عن مستضيفين في الدول التي أخطط لزيارتها. كنت أراه الوسيلة الأسرع للاطلاع على ثقافة بلد كأمريكا الجنوبية والوسيلة الاقتصادية لمبتعثة في ذلك الوقت ترغب في تغطية أكبر قدر من مدنها . خطة أمريكا الجنوبية لم تكتمل لكنني استمريت في استخدامه للتواصل مع المهتمين بالسفر. حتى الآن لم استخدمه في الحصول على سكن لكنني استخدمته في استضافة السياح هنا في الرياض فبمجرد فتح باب السياحة في السعودية وما إن بدأ اصدار التأشيرات السياحة حتي انهالت علي طلبات الاستضافة أو حتى الخروج لتناول القهوة أو تناول وجبة أو التجول في أي مكان في الرياض.

 أغلب طلبات الاستضافة رفضتها إذ لم تتفق مع الشروط التي حددتها للاستضافة وأهمها جنس الضيف (أنثى) والمدة لا تزيد عن ليلتين (خلال أيام الأسبوع). وافقت الشروط التي وضعتها أربع سائحات، استضفت اثنتين منهن واثنتين حالت كورونا بيني وبين استضافتهم.

فيما يلي سأحاول الإجابة على أكثر الأسئلة التي تلقيتها ممن أخبرتهم عن تجربتي وكذلك الأسئلة التي أعتقد أنها قد تدور في ذهن أحدهم.

هل أنا مجبرة على قبول أي طلب استضافة؟

مجرد تقديم أحدهم طلب استضافة لا يعني بالضرورة أن علي القبول بمعنى أدقق جيداً في التوصيات الموجودة عن الشخص في الموقع سواء التوصيات الشخصية التي كتبها أشخاص يعرفونه أو خرج معهم أو التوصيات التي كتبها مستخدمين استضافوه في بيوتهم أو ضيوف أقاموا عنده في منزله، أي توصية سلبية مهما كانت بسيطة كفيلة برفضي وللأمانة كذلك التوصيات القليلة قد لا تشجعني. إذا اعتمد بشكل كبير على التوصيات كماً ونوعاً وقبلها معلومات الشخص عمره ومهنته وتعليمه والأنشطة التي يحب ممارستها وطريقة كتابته وتعريفه بنفسه كذلك صوره هذا طبعاً مصحوب ببحثي عنه خارج الموقع: في الفيسبوك وعلى قوقل بشكل عام ولو كان صاحب مدونة أقرأ تدويناته (بالمناسبة اخوتي يسمونني كونان).

كيف تثقين بغريبة وتفتحين لها بيتك؟

أولاً، كما ذكرت أنا لا أقبل أي طلب إلا بعد التمحيص. أيضاً هناك حسيّ وهو ما أعول عليه كثيراً في هذه الحياة وبما إنه لم يخذلني حتى الآن فسأستمر في التعويل عليه حتى إشعار آخر، حسك سيخبرك إن كان هذا الشخص مريح أم لا.

ثانياً مكان إقامتي مزود بكاميرات مراقبة في كل مكان وحراس متوفرون ٢٤ ساعة كما يعتمد الدخول إلى البناية واستخدام مرافقها على نظام البصمة أي أن أي ضيف يحتاجني في دخوله وخروجه علاوة على أن نظام العزل في البناية لحسن الحظ يتيح للجميع سماع مايدور في شقتك دون عناء لذا عند أي طارئ لا سمح الله سيكون الجيران هنا (في شقتي)..

ثالثاً اعتمد في منزلي فلسفة التخفف لذا لا يوجد لدي الكثير من الأثاث والأجهزة  أواللوح والزينة  التي تغري بالسرقة، الموجود قطع معدودة عمرها بعد الاستخدام لا يساوي ذنب التفكير في سرقتها. أيضاً لا احتفظ بأي مبالغ في شقتي أو قطع ثمينة كل ما أملكه في منزلي قابل للتعويض وفقدانه لا يتسبب في حسرة لي وشقاء.

أخيراً الموضوع برمته يعتمد على شخصية الشخص، مرونته وانفتاحه وطريقة تعامله مع الأمور ونظرته لها.  أنا مرنة لكنني حذرة وفي الحقيقة لا أميل للشكوك بل آخذ الأمور على ظواهرها طالما جميع الإشارات حولها لا تثبت العكس وأعتقد أن هذه الصفة ضرورية لمن يستخدم مواقع مشابهة.

لكن الحذر واجب؟

 نعم واجب لكن ماحدود حذرك ؟ قد تكون حدود حذرك قائمة على التفكير في كل الاحتمالات السيئة فلن يقنعك كل ماذكرته وسيظل لديك احتمالات نسبة حدوثها ١٪ لكنها كفيلة بأن ترى التجربة غير آمنة وأحترم وجهة نظرك لكن عني تكفيني فكرة أن الضيفة لن تدفع تذكرة وتقطع الساعات الطويلة لتلحق بي سوء.

هل علي أن أجهز غرفة خاصة للضيوف؟

لا طبعاً .. ميزة الاستضافة أنها حسب ظروف المنزل وهو ماستذكره في صفحتك أي أنك ستصف المكان الذي ستستضيفهم فيه إن كان غرفة خاصة أو في نفس غرفتك أو على كنبة في صالتك. أنا استخدم غرفة المكتبة للاستضافة، ليس لدي سرير اضافي لذا أكتفي بفراش على الأرض. إحدى السيدات التي كان من المفترض أن استضيفها لليلة في ابريل كانت ستحضر بصحبة طفلين فاستئذنت أن تحضر لهما أكياس نوم. عندما سمعت أختي عنها اقترحت أن استضيفها في منزل العائلة حيث تتوفر العديد من الغرف المهيئة (الجينات وما أدراك ما الجينات ).

كيف تتم الاستضافة وأنا مشغول أو أعمل أو جدولي و ظروفي غير مناسبة؟

أكرر الاستضافة تتم وفق شروطك الخاصة التي حددتها على الموقع. مثلاً أنا لا استضيف في إجازة نهاية الأسبوع ولا استضيف أكثر من ليلتين كذلك حددت أني ربما استضيف بمعنى ليس من المؤكد أني سأقبل أي طلب (قد أرفض طلبات فقط لأني لا أرغب). في الفترات التي أعرف أني مرتبطها خلالها أعتذر عن استقبال الطلبات. بالنسبة للدوام ، الاستضافة لا تعني أن تأخذ اجازة من عملك، كنت أذهب لعملي وضيفاتي يذهبن لأنشطتهن وبعد عودتي للمنزل يعدن. في النهاية لا أحد سيجبرك على أي شيء أولاً وأخيراً أنت متطوع وأنت صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

هل سأنفق على ضيوفي وأتحمل مصاريفهم؟

ضحكت حين قرأت تعليقاً لأحد المغردين على تغريدة لي عن تجربتي مع استضافة أول ضيفة، يصف المغرد أمثالي ممن يستضيفون السياح الأجانب مجاناً فيما معناه بالغباء وبأننا سنتحمل كافة مصاريفهم، طعامهم ومواصلاتهم وأنشطتهم..الخ وأننا نظن أن هذا كرم بينما هم لا يفكرون سوى في السياحة على حسابنا ثم سيقومون بإنتقادنا كسعوديين ما إن يعودوا لبلدانهم!

لمن قد يفكر بنفس الطريقة أقول أو بالأصح أكرر المسألة خيارك الشخصي لم يجبرك ولن يجبرك أحد على فعل مالا ترغب في فعله وأعتقد كونك تستخدم الموقع هذا يعني أنك وصلت لدرجة من الوعي والانفتاح علي الآخر أعلى من أن تكون أحمق وقابل للاستغلال. عني شخصياً أعامل الاستضافة المجانية وكأني أشتري تجربة وخبرة لذا انتقي من تناسبني ميولهم واهتماماتهم وأعتقد أنهم سيضيفون لي فمثلا ضيفتي الأولى مدونة ومصورة والأخرى كاتبة ومحررة وكلتا الاثنتين لديهما خبرة حياتية مميزة بالنسبة لي وكنت أبحث عمن يملكها حتى يحدثني عنها وقد حصل فعلاً. غالباً من يزور السعودية يقضي فيها مالا يقل عن شهر متنقلاً بين مدنها، كيف يتنقل؟ عن طريق استئجار سيارة.. هل جميع المدن فيها من سيستضيف السائح مجانا؟ لا طبعا لذا يأتي وقد رتب حجوزات سكنه في عدد من المدن ما أريد قوله هو أن الفكرة ليست كما يراها البعض يأتي سائح أجنبي ليستمتع بالمجان لأن السعوديين كريمين وسذج. جميع الأنشطة التي مارستها مع الضيفتين كانت مجانية كالخروج للجري والتجول في الحي وأحد الأسواق القريبة وجولة في منطقة وسط البلد (سوق الزل والثميري وقصر الحكم) عندما خرجت مع ضيفتي الثانية للفطور دفعت هي كامل المبلغ ولم تقبل مناصفته معي كشكر على استضافتي لها أيضاً قدمت لي قلادة وأقراط من فينيسيا الوجهة التي كانت فيها قبل السعودية وهذا مايفترض منك (ذوقا) عند استخدام الموقع أن تحمل معك هدية بسيطة أو تذكار من بلدك لمستضيفك وأن تدفع ثمن إحدى الوجبات. ضيفتي الأخرى حين علمت أني أخطط لقضاء الصيف متجولة في أوروبا دعتني للإقامة في منزل والديها في بلجيكا .

 أليس هناك من يستغل الإقامة المجانية من الضيوف ؟

 طبعاً هناك من يسافر ليكون عالة على الآخرين لكن ليس كل سائح أومسافر بحقيبة ظهر يريد استغلال الآخرين ! حكت لي ضيفتي الثانية عن قصة صديقها الذي انتقل ليعمل في إحدى مدن الهند ولأنه كان يعاني من الوحدة بدأ في استضافة السياح عن طريق Couchsurfing. كان يقبل جميع طلبات الاستضافة من باب الحماس حتى انتهى منزله لوجهة للهيبيز الذين استوطنوه وعثوا فيه  لفترة طويلة قبل أن يعود له رشده ويقنن معايير الاستضافة. أيضاً لا أنسى إحدى طلبات الاستضافة التي وصلتني من (سعودية) ترغب في الإقامة عندي لمدة ثلاثة أشهر وهي المدة التي ستكون فيها في الرياض لظروف العمل،اعتذرت بأن  طلبها يتنافى مع معايير الاستضافة التي وضعتها وأن المدة التي ذكرتها هي إقامة طويلة تحولها لشريكة سكن وليست مجرد ضيفة الأمر الذي أثار غضبها فأرسلت لي : لماذا إذا أنت موجودة الموقع !

أكرر هي في النهاية شروطك فلا تنسى أنك المتحكم الأساسي في العملية وأنك ستقابل كافة الأشكال.

أخيراً، هل تصلح التجربة للجميع؟

أنت من تجيب على هدا السؤال بالنظر لخصائصك الشخصية وظروفك الاجتماعية. ليس الجميع من المرونة ليستقبل ويتعرف على الغرباء وهذا أمر عادي لا ينقص من شخصه شيء كذلك مجتمعنا يتصف بخصوصيته فمن الصعب على الكثير أن يفتح بابه ويشارك بيته وشيء من حياته مع غرباء. عني شخصياً وعن عائلتي بشكل عام نحب هذا النوع من التجارب، لدينا بعض الصور في منتصف الثمانينات لوالدي مع عدد من الضيوف الفرنسين في منزلنا يظهر فيها والدي بكل بهجة وهو يستعرض معهم بعض الأدوات الأثرية وفي صورة أخرى يساعدهم على ارتداءالملابس التقليدية.

ضيفتي مع البليلة في إحدى حدائق الحي

في كل مره أقول ستكون  التدوينة قصيرة اكتشف في نهايتها أنها طويلة جداً لذا أتمنى أنك وصلت إلى هنا عزيزي القارئ وأنت بكامل لياقتك وأتطلع أن تشاركني في التعليقات تجارب مماثلة خاصة أني أعرف أن هناك عدد من الأشخاص سبقوني لتجارب مشابهة..

جولة الحي في زمن الكورونا

الرياض- العقيق

23/03/2020

كل شيء يحدث للمرة الأولى؛ ٩٠٪ مِن سكان الحي يغسلون أحواشهم ويمتد كرم الغسيل للشارع فينظر كل واحد في عين جاره المقابل على طريقة (اليوم أنا أغسل وبكرا إنت) يبدو أن هناك اتفاقية غير مكتوبة وغير منطوقة بين السكان على إدارة العملية التنظيفية للطريق المشترك بين بيوتهم!

شاب عشريني في أحد شوارع الحي ينزلق بسيارته خارج المنزل عبر الكراج وينزل نافذته ليصيح بأخيه في الداخل ويلقي عليه أمر عسكري واجب التنفيذ “جب المعقم معك” أقسم أني صادقة وأن هذه العبارة سمعتها وكنت على بعد مترين من صاحبها ولم تكن حلماً أو خيالاً قصصي!

ابتسم ابتسامتي العريضة التي تكشف عن أسناني قبل أن تتحول الابتسامة لضحكة خفيفة أشكر غطاء الفم  الذي حرس الضحكة البلهاء من غضب المجتهدين المشمرين عن سواعدهم وكفاني عناء التبرير بأنها والله لم تكن سخرية ولا شماته وإنما هلع الأشياء التي تحدث لأول مره!

سنة ونصف وأنا لا أشاهد في شوارع الحي سوى السائقين غالباً أما اليوم فيقضي عدد من سكان الحي وقته في تنظيف المنزل والشارع. لاأعرف إن كانت تسلية وقضاء وقت فراغ أم هلع الجراثيم ووسواس التنظيف أم وسيلة لمكافحة القلق أم أن قانوناً صدر وفاتني ينص على أن على الأفراد غسل أحواشهم مره يومياً!

القطط أيضاً أخذت نصيبها من مسلسل (يحدث لأول مره) كانت في السابق تفرّ بمجرد اقتراب شخص منها أما الآن فالحي حرفياً لها، أمر من أمامها وخلفها وبجانبها تماماً دون أن تهتز لها شعرة! لم تكتفي بذلك بل أصبحت تجلس أمام باب البناية مباشرة وعلى جدرانها في أوقات حظر التجول وكأنها تمد لسانها لنا في محاولة لاستفزاز غيرتنا..

IMG_0645

الدانوب -سوبر ماركت الحي الذي يعرفني جيداً- بالأمس في تمام الساعة الخامسة مساءً تحول لساعة حشر أو هكذا خُيل لي حتى أني فقدت امتيازي وحفاوة الموظفين بي فلم ينتبه لدخولي أحد! الجميع الآن منشغل بتسيير الأفواج ومحاسبة أطنان المشتريات التي تئن عجلات العربات تحت ثقلها! أكياس (رز أبوكاس)  كانت بطل المشهد، تشرفت بلقائها محمولة بكل تقدير على ظهور العربات والحقيقة أني لم انتبه يوماً لوجودها في (الدانوب)..

هذا المشهد أصابني بنوبة ضحك جديدة وزاد هلعي! هل يستعد الجميع لحالة طوارىء ولم يخبرني أحد! هل يخطط الجميع للنجاة ويتركونني أشتري ما أشتريه عادة: توتست بر (مقاس صغير)، ٣حبات أفوكادو و ٥ حبات موز! هل سيركض الجميع بعربيته المحملة بخيرات الدانوب لمنزله ويقفل بابه ويتركونني دون خطة طوارئ!

أكد شكوكي ومخاوفي زوج يدير عربته لوجه زوجته ويسألها: “يكفي شهر؟” هذا النوع من الأسئلة غير موجود في برمجة ذهني أنا التي تقرر كل يوم ما الذي يحتاجه هذا اليوم من طعام وتخرج لشراء مكوناته! أنا التي سئمت ريم وهي تحاول لمدة سنة  إقناعي بأن في التسوق متسع لمضاعفة الكمية لحالات الطوارىء ولازالت أرفض أو بالأصح لا أعرف كيف! وددت التوجه إلى الزوجين وسؤالهم إن كان بإمكاني إلقاء نظرة على قائمتهم أو إن كان بإمكانهم تقديم النصائح لي فيما يجب علي أن اشتريه أو ربما أطلب منهم طمئنتي أن مايحصل خاص بالأزواج والعائلات ولا يعنيني!

 طابور المتسوقين الذي يمتد من المحاسب دون نهاية مرئية جعلني أشعر بالغضب أو ربما الإيثار  فتركت الدانوب والمحاسبين لمتسوقين أكثر هلعاً مني وخرجت..

خرجت راكضة لم أنتبه لذلك إلا في أحد شوارع الحي حين أصبحت المسافة أقل من متر بيني وبين مراهق يتخلص من مخاوفه أو يستغل ساعة ماقبل الحظر بالتفحيط! هيئته المتوترة حين رآني متجمدة يكشف عن سيناريو السرقة؛ سرقة سيارة والده المنهمك في غسيل الحوش.. تقول نورة وأنا أخبرها بالموقف أن هذه الفئة (المفحطين في زمن الكورونا) هم أكثر فئة تتعاطف معهم إذ يعكس هذا السلوك توترهم أما أنا لا أقول شيء وقد كنت جنباً لجنب مع سيارته المترنحة!

أكملت الركض وأنا أضحك من حشود الدانوب ومن (المفحط) المتوتر وأسير نحو بقالة منزوية في أحد شوارع الحي، بقالة بهوية سوبر ماركت ومحل خضار.. ابتسم بنشوة المنتصر وأنا أركض لها لأنها المكان الذي لا يعرفه الكثير وبالتالي سيكون لي وحدي. لن أخشى الازدحام وانعدام المسافة الاجتماعية والطابور الطويل لدى المحاسب ولن تزداد ضربات قلبي وتبدأ ساعة حظر التجول تحاصرني، سأتسوق بسرعة وخفة وأخرج راكضة قبل موعد الحظر..

أحلامي تبخرت بمجرد أن لمحت زبون في الخارج! زادت نبضات قلبي! ماذا يعني ذلك؟ هل هو من الهاربين من الدانوب؟ هل هو في الخارج حفظًا للمسافة؟ هل امتلئ المكان وفاض به؟ يدي على قلبي وأنا أطل برأسي خلف الرجل الواقف في الخارج وكانت الصدمة ؛ حتى محل البقالة يخترقه طابور طويل! هربت خالية اليدين للمره الثانية وبسرعة أكبر هذه المرة، أردت الوصول إلى خط النهاية قبل صافرة الحظر وعدت إلى شقتي دون توست ولا موز ولا أفوكادو!

المتعلمة educated  

أقرأ هذه الأيام المذكرات الشخصية للكاتبة والمؤرخة الأمريكية تارا ويستوفر وفي جولة الحي السابقة وتحديداً في الدانوب برز في مخيلتي منظر عائلة تارا خاضعة لأوامر الأب وتخزن بهلع أطناناً من حبات الخوخ في مرطبانات استعداداً ليوم عصيب (لم يأتي أبداً) تهاجمهم فيه الشرطة الإتحادية في معتزلهم في جبل بيكس باك. 

 

*الحقيقة أن هذه الجولة كان مكانها انستقرام لولا أنه أبى أن يقبل هذه الثرثرة الطويلة وتوقف عند منتصفها..

 

 

فيتنام Aug 2019

الامتداد في السفر شرقاً بالنسبة لي لم يكن هدفاً ملحّ بقدر ما كانت فكرة طارئة وأنا ملكة الأفكار الطارئة. بدأت الفكرة من بالي وقفزت إلى فيتنام؛ فيتنام التي لقنت العالم درساً في الصمود والإيمان بالحرية.

بعد مشورة الأصدقاء من مجانين السفر والمغرمين بالترحال وبعد أن صفقوا لفكرة السفر وحيدة إلى فيتنام بحقيبة ظهر ودون خارطة مثقلة بنوايا غير الخفة والتجرد والاكتشاف وضعت سبابتي على هوتشي منه (سايغون) لألقي فيها بجسدي/ روحي ومنها أمتد لأعلى حتى انتهي من فيتنام وتنتهي مني.

IMG_3037

بأقصى خفة ممكنة*

خلال السنوات الخمس الماضية اعتدت التنقل في أوروبا بخفة تناسب مشيتي السريعة التي يصر الأصدقاء والأهل على تسميتها جري وأصر على تسميتها مشي حتى إشعار آخر. حقيبتي الصغيرة تنحشر دائماً في كابينة الطائرة فوق رأسي لا تحمل أي شيء غير أساسي أو زائد عن الحاجة، لا كماليات، لا اكسسوار ولا أدوات زينة. هذه المرة ولأني كنت أنوي الاستسلام لمزاجي في النزول بالمدن والارتحال عنها قررت أن أكتفي بحقيبة ظهر تناسب التنقل المفاجئ والطويل في المواصلات العامة ومن سكن لآخر وبين المدن وفي المقاهي التي تفصل بين مدينتين أو مكانيّ سكن. أردت أن أحمل منزلي على ظهري، كل ما احتاجه يستطيع أن يتكوم ويحتضن بعضه البعض ويشد وثاقه فوق ظهري؛ كتب، قمصان وبنطلونات قماشية تليق بمناخ استوائي ولا تأخذ حيز كبير في الحقيبة، جزمة وملابس رياضية، منتجات عناية شخصية، فيتامينات، اسعافات أولية، شاحن متنقل، محوّل و دفتر مذكرات. حتى تبدو الصورة واضحة أنا لست من النوع المصاب بهلع: ماذا لو احتجت لقطعة ما ولم تكن معي؟! على العكس أعاني من تبلد تجاه هذا النوع من الأفكار ولا يشكل لي أي قلق. المهم أني فعلتها وحملت منزلي على ظهري وتنقلت به قرابة الشهر ما بين اندونيسيا وفيتنام من فندق إلى هوستل إلى نزل إلى منتجع ومن طائرة إلى باص إلى دراجة نارية. أضع منزلي بجانبي في أحد المقاهي بينما أقوم بحجز سكن وأضعه أمامي وأنا أتناول وجبة الفطور الأخيرة في مدينة قبل الانتقال لمدينة أخرى كل هذا بأقصى خفة ممكنة.

IMG_2118 (1)

مفتاح دخول

لكل بلد مفتاح دخول قد يكون مدفوع وقد يكون مجاني قد يفتح لك البلد لمدة طويلة وقد يفتحها لك لأيام فقط. دفعت لمفتاح فيتنام قرابة الستين دولار لأقيم فيها لمدة شهر هذا المفترض أقول المفترض لأن هناك قصة كان من الممكن أن تكون مخيفة لولا لطف الله الخفي الذي حولها لقصة مضحكة. دخلت فيتنام بخطاب الموافقة على الفيزا وفي المطار انتظرت دوري لأخذ الفيزا ومع الزحمة والتأخير والملل قفزت بفرح عند سماع اسمي والتقطت جوازي نظرت نظرة خاطفة للفيزا وانطلقت لأهرب من المطار وأصافح المدينة. دفعت ثمن الانطلاقة بعد قرابة عشرين يوم حين نظرت لي الموظفة في المطار في صالة المغادرة بدهشة وهي تقول ” تاريخ صلاحية التأشيرة منتهي منذ ١٤ يوم ” وهنا تحول النقاش مع إدارة الهجرة وضباطها الذين لا يتحدثون بااللغة الإنجليزية! كان الصراع في داخلي بين أمرين احتاج الجزم بينهما: هل يجب أن أبدو كغبية لا أفهم وأتودد لهم وأظهر جهلي أم أبدو حازمة و أصر أنها غلطتهم بأي حال من الأحوال (يسألونك عن البجاحة) الحقيقة اخترت الخيار الثاني فتكلمت بلهجة حازمة ورددت أني دفعت قيمة تأشيرة مدتها شهر وهذه غلطتهم وليست غلطتي كانت حدة انكار المسؤولية والتملص من الخطأ عالية عندي الأمر الذي دفعهم للجوء لضابط آخر يتحدث الإنجليزية على طريقة ” الله يصلحك جالسة في البلد وفيزتك منتهية” أثناء النقاشات كنت ألوح بشكل خفيف بكرت (استطيع الدفع إن كنتم ترغبون) لكن لم ألوح به كثيراً وبشكل واضح لأن البجاحة المفرطة كانت تحرضني بأن لا أدع لهم أي طريق لاستغلالي (وكأني لست المخطئة) بعد نصف ساعة مابين الإنجليزية والفيتنامية وخيالات الرعب التي تصورني في السجن متغيبة عن عملي لأني اخترقت أنظمة الهجرة والإقامة في بلد ووسط تنهيدات الضابط التي توحي بعظم الخطب فتح صفحة التأشيرة في جوازي وختمها وكتب عليها تمديد إلى يوم غد هكذا بكل بساطة الإنسان حين يتجاوز تعقيد الأنظمة.

الدراجة النارية حيث مات الخوف وولدت المتعة

إن كانت هناك قائمة امتنان سأكتبها في حق الأشياء التي منحتني إياها رحلة فيتنام فسيكون ركوب الدراجة النارية والتنقل بها على رأس القائمة. أنا من عشاق الدراجات الهوائية منذ الطفولة أما الدراجة النارية فكنت أتخوف من ركوبها أشعر أني لا أملك السيطرة التامة عليها. أثناء دراستي في بريطانيا كان أحد الأصدقاء ممن أمضوا نصف حياتهم على دراجة نارية في شمال إيطاليا يحاول إقناعي بتجربتها ولو لمرة وقد فعلت وجربتها، جربتها لدقيقة واحدة هي المدة التي وضعت جسدي عليها قبل أن أقفز بهلع متراجعة عن الفكرة هلع لم تمنعه السترة التي أرتديها ولا الخوذة ولا الشارع المنزوي الخالي من السيارات.

ما الذي حصل في فيتنام؟ الذي حصل أن الطفل الذي لا تقيده المخاوف استيقظ بداخلي وجرب اللعبة وأدمنها؛ حرفياً أدمنت ركوب الدراجات النارية، الانطلاق في الشوارع المزدحمة، العبور السريع بين السيارات الملتصقة ببعضها والأهم أني حققت شيء من أحلامي الطفولية وهو فتح ذراعي والتحليق من على ظهر دراجة نارية كمن يحتضن الحياة. يضحك الأصدقاء على فقرة الدراجة النارية ويصفونني بمن لا يجيد انتقاء أرض معاركه؛ لا أستخدم الدراجة النارية في أكثر الدول احتراماً لأنظمة الطريق والمرور بينما أقضي معظم وقتي في فيتنام على ظهرها! أول مره استخدمتها أعتقد أنها المرة التي كانت كفيلة بمعالجة مخاوفي عن طريق الغمر إذ صادفتني سيدة وأنا أمشي ومنزلي على ظهري وحين عرفت وجهتي تعجبت من رغبتي في قطعها مشياً وأنا ابتسم، عرضت علي أن تصطحبني بدراجتها فكان أول الغمر أن الخوذة التي استطاعت توفيرها لي هي خوذة دراجة هوائية بمقاس صغير واستمر الغمر كلما انحشرنا بين سيارتين حتى مات الخوف وولدت المتعة.

أين أضع رأسي؟

في فيتنام كانت المرة الأولى التي أجرب فيها السكن في هوستل حيث أتشارك غرفة النوم مع أخريات. جاءت الفكرة كمحاولة للقفز خارج منطقة الراحة خاصة أن هذه الرحلة برمتها كان هذا هو الهدف منها: القفز خارج الحدود لاكتشاف أنا جديدة والحقيقة أنها كانت قفزة جريئة جداً لشخص اعتاد لسنوات على السكن بمفرده وعلى الخصوصية والأهم شخص يعاني من وسواس النظافة والترتيب. جربتها مرتين في أول مدينة وفي ثاني مدينة أما الأولى فكانت جميلة، المكان صغير وهادئ والأعداد قليلة أما الثانية فكانت سيئة، المكان مزدحم بشتى الأمزجة والفوضوية، الضوضاء لم تدعني وشأني ورغم أني كسبت الكثير من معارفي في هذا المكان إلا أنه المكان الذي نفرني من تكرار التجربة. أكملت بقية الرحلة في فنادق عادية و دور ضيافة فعلاقتي مع مكان الإقامة في السفر هي علاقة وضع الرأس على المخدة آخر اليوم فقط ومنذ أن أفتح عيني في الصباح الباكر أقفز للخارج، لا أؤمن بتناول وجبة الفطور في مكان الإقامة اعتبره وسيلة لتضييع وقت يمكن قضائه في اكتشاف الأفضل كذلك لا أعود لمكان الإقامة إلا ليلاً حين تملني الشوارع ويعييني التعب والحقيقة أن الأخير لا يفعلها إلا نادراً في السفر. لا يرهقني التفكير الطويل في تفاصيل السكن المهم بالنسبة لي الأساسيات: تقييمات ممتازة، موقع ممتاز و نظافة بهذه الصفات أعتبر أني أضع رأسي في مكان آمن للحب/ للنوم.

“وحيدة أكثر من وحيد القرن”*

ماذا عن درجة الأمن في فيتنام بالنسبة لفتاة تسافر بمفردها؟

لم أشعر ولو لحظة في فيتنام بأني غير آمنة. تسكعت في كل الطرق وفي كل الأوقات، تحدثت للغرباء، جلست في المقاهي الشعبية، مررت رقم هاتفي لعدد من العابرين لأسباب مختلفة وارتكبت جملة من الحماقات (سأذكرها في التدوينات القادمة عن فيتنام) لكني لم أشعر أبداً بعدم الأمن أو الخوف.

يفترض أن تكون هذه التدوينة (إن لم يغلبني الكسل ) افتتاحية لسلسلة تدوينات عن فيتنام، تغطي كل تدوينة مدينة من المدن التي مررت بها وهذا لا يعني أن لدي وصايا عظيمة أو نصائح أو معلومات لا يعرفها أحد كل مافي الأمر أني شخص يستعين على الحياة بالكتابة ومشاركة التجارب..

 

 

* مجاراة لديوان “بأقصى زرقة ممكنة” لماجد العتيبي

* اقتباس من رواية “مساء يصعد الدرج” لعادل الحوشان

أوبود: هائمة بصحبة نفسي

كان صيف 2019 حافل بخططي اللامنتهية للسفر، أعترف أني جبت الخريطة مئات المرات وطفت حول العالم عشرات المرات وانتقلت ما بين جنوب أمريكا والهند ونيبال وتايلاند وكوبا حتى استقريت دون أن أعرف كيف على شرق آسيا تحديداً بالي وفي تحديد أدق أبود Ubud. منذ سنوات قرأت كتاب طعام ، صلاة ، حب وشاهدت الفلم حيث تذهب إليزابيث إلى بالي – أبود ضمن رحلة البحث عن نفسها بعد الطلاق ومنذ أن قرأت الكتاب وأبود والسير على خطى إليزابيث ضمن خططي.

الحجوزات والفيزا

حجزت تذاكري بأقل أمتعة يمكن حملها وطرت لجاكرتا مرورا بسريلانكا ومن جاكرتا إلى بالي. لم أحتاج لفيزا فمدة اقامتي قصيرة (أسبوع فقط) لم أخطط لأي شيء بدقة بدء بالسكن وانتهاء بالأنشطة. حجزت لأول ليلة فقط فندق قريب من المطار(لا أهتم بفخامة الفنادق ونجومها المهم نظافتها)  بما أني أصل ليلاً أحببت أن يكون باستطاعتي المشي للسكن من المطار. باقي الليالي كنت أحجز في نفس الوقت، هذا النوع من الخفة هو ما يجعلني مغرمة بالسفر الفردي فلا حاجة لخطط ولا ترتيبات هاتفي. النقال في يدي ومزود بالانترنت وفي لحظات أستطيع تدبير أي شيء بما يتفق مع مزاج اللحظة وبما أني مسافرة بشنطة ظهر هذا يجعلني لا أحمل هم الحقائب والأمتعة والتنقل بها.

الليلة الأولى في كوتا

قضيت ليلتي الأولى في كوتا Kuta مهبط السواح ومستقرهم ولأن من عاداتي السيئة أن لا يهدأ لي بال ولا أضع رأسي على المخدة في أي بلد حتى أتجول فيها وأصافح أرضها بقدمي ونتعرف على بعض فإن هذا ما فعلته رغم أني وصلت عند العاشرة والنصف ليلاً إلا أني مشيت للشاطئ وتجولت في المحلات على الشارع وجلست مع مجموعة من الأشخاص على الأرض خلف عربة طعام أتناول التوفو مع الخضروات التي نصحوني بها ووعدوني باللذة إن مزجتها بصوص حار(:

الشروق على الشاطئ

في الصباح قبل الشروق انطلقت للشاطئ إذ أن المشي على الشاطئ والجلوس عليه لمشاهدة الشروق أو الغروب من هواياتي المفضلة.  تمشيت قليلاً ثم جلست على أحد القوارب في مقابلة البحر حتى جاء شخص وجلس بجانبي وبدأ الحوار المعتاد للتعارف بين الغرباء وبالصدفة ذكر لي أن منظر الشروق جميل وأن علي أن أدير ظهري للجهة المعاكسة حتى أتمكن من رؤيته! إذاً مضى وقتي في الجهة المخالفة للشروق! بعد الشروق وحماقتي في انتظاره انطلقت لتناول الفطور ثم إلى أبود.

طعام، صلاة، حب

في Ubud حجزت ليلة حيث مرت اليزابيث والتقت ب Ketut Liyer (توفي 2016 وخلفه ابنه) وقد أصبحت الدار مقصد السياح الغربيين بعد كتاب إليزابيث . الحقيقة أن التجربة تستحق كنزل ودار ضيافة عائلي دافئ فهو عبارة عن فناء واسع بعدة أكواخ في مقدمته صالون لتصفيف الشعر للحفيدة يليله كوخ العائلة ثم أكواخ النزلاء يتخللها مجاري مياه بأسماك والكثير من الأشجار والخضرة. تدير العائلة والعائلة فقط النزل كاملاً فالأم والبنت مسؤولات عن الحسابات، الحفيد في الاستقبال والأب/ الجد يلتقي الضيوف بابتسامته ويتحدث معهم ويقدم لهم استشارات علاجية. عند زيارتي الموافقة لأحد الاحتفالات الدينية في بالي كان مشغول بتجهيز الطعام لهذه المناسبة وبجانبه حفيدة الصغير يقوم بلف رقائق (السبرنق رول) إلا أن ذلك لم يمنعه  من السلام علي والحديث معي عن عائلته ووالده ونزلهم والكثير من الكلام الجميل الذي يلاطف به غريب غريبة.

استفسرت منهم عن طبيعة الأنشطة التي يرتبون لها إن وجدت فذكروا Trekking  إلى قمة جبل باتور ودون تفكير سجلت اسمي في الرحلة التي تبدأ عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل وتنتهي قرابة العصر. أحب التنويع في الأنشطة التي أمارسها في السفر متى ما كان ذلك متاح وأي نشاط يتطلب مشي أجد نفسي ميالة له. الصعود لقمة باتور تستحق الاستيقاظ عند الثانية وتستحق تحمل البرد الذي يأخذ نصيبه من شخص لم يرتدي ملابس تليق به. مشاهدة الشروق من القمة تستحق كل الساعات التي قضيناها في الطريق وأعتقد أني متى ماطلب مني توصيات في أوبود فسأوصي بهذه الرحلة لمن يستطيع تحملها.

يوغا، تأمل، عزلة

تكثر في بالي الأماكن التي توفر لك فرصة الاعتزال في حقل أو مزرعة وممارسة اليوغا والتأمل وأنشطة أخرى تختلف من مكان لآخر كركوب الدراجة ودروس الطبخ وغيره. حجزت ثلاث ليالي في واحد منها وهو عبارة عن حقل ملحق به فيلا بغرف للضيوف وفيلا لصاحبة المكان وهي سيدة ألمانية. كان البرنامج كالتالي في الصباح يوغا ثم الفطور والتجول في الحقل وفي المساء بعد الغداء جلسة تأمل (جميع الوجبات نباتية) ثم درس طبخ اندونيسي وفي أحد الأيام هناك جلسة مساج. بمجرد وصولي للمكان كانت المفاجأة وجود كلاب وهو الأمر الذي لم نتفق عليه خصوصا كلاب تنبح في وجهي بشراسة بمجرد دخولي والظريف أنها تحاصرني أثناء جلسة التأمل! لم أشعر بالارتياح الأمر الذي جعلني أدخل لغرفتي وأبحث عن مراجعات للمكان من جديد حتى أتأكد هل هناك ذكر للكلاب وكانت الصدمة وجود الكثير من المراجعات التي يذكر أصحابها تعرضهم للعض من قبل الكلاب! بالإضافة للكلاب صاحبة المكان لم تكن ودودة كما ينبغي وكان حديثها معي طوال الوقت عن السياسية والدين وبشكل متطرف ضد البلد الذي جئت منه وفي اعتقادي أن هذان الموضوعان تحديدا لا ينبغي أن تكون في مكان خاص بالاسترخاء والراحة. اليوغا لم تكن وفق توقعاتي بأن من يقوم بها هو مدرب خبير إذ كانت الجلسة مع فتاة متطوعة للعمل في الحقل أوكلت لها صاحبة المكان القيام بجلسة اليوغا معي! كان المكان فارغ جداً على عكس تصوراتي بأني سأكون واحدة ضمن جموعة ولأني أثق في حدسي ولا أرغب في أن أضيع وقتي ومالي في إعطاء فرصة لتجربة لم تلمس روحي منذ البداية قررت الخروج وإنهاء التجربة عند هذا الحد. عموماً التجربة استثناء وأنا على ثقة أن هناك أماكن أخرى ستكون التجربة فيها أجمل لذا ربما تضعونها بالحسبان عند السفر إلى بالي.

IMG_9700

ني ويان ودارها الدافئة

بعد خروجي من الحقل وفي طريق العودة لوسط أوبود حجزت في دار ضيافة بمبنى أثري في وسط أوبود وفي شارعها الحي بالقرب من المحلات والمقاهي والحياة. استقبلتني عجوز اندونيسية مبتسمة هي صاحبة الدار ذات الثمانية غرف، تقيم مع ابنها وعائلته في الجزء الأمامي من الدار. تستضيف ني ويان في دارها ورش رسم وأعمال حرفية من وقت لآخر وهو الأمر الذي شدني فالدار أكثر من نزل. كان الحجز ليلة واحدة لكن في اليوم الذي يليله قمت بالتمديد ليلة أخرى فالسكينة التي منحتني إياها ني ويان وأحاديثها وانتظارها لي في الليل كأم لتسأل عن يومي وحرصها على أن أتناول الفطور في الصباح قبل خروجي جعلني أرغب في قضاء وقت أطول معها وقت ليس فيه مغامرات أو to do list وقت ليس فيه سوى الجلسة بجانبها في شرفة بيتها وأمام التلفاز والاستمتاع بمشاهدة برامج اندونيسية وهو مافعلته في يومي الثاني معها وقبل مغادرتي. أنصح بزيارتها والإقامة في دارها لمن يهتم بالبشر وليس المكان فالمكان أقل من عادي على مستوى الغرف كذلك لمن يسافر باسترخاء ولديه متسع من الوقت لإنفاقه دون خطة بعينها.

المعابد، حقول الأرز ، مزرعة القهوة

اعترف أني بعد سبع سنوات من السفر الشبه مستمر فقدت شهيتي لزيارة المعالم والمزارات المكررة كدور العبادة التي كانت سابقاً تفتتني من الناحية العمرانية. الآن أصبح نصيب التسكع الحرّ في الشوارع والأزقة أوالتصوير والكتابة أكبر لكن بما أن أوبود مليئة بالأنشطة ورحلات اليوم الواحد وبما أن صورة أرجوحة حقول الأرز كانت عالقة في ذهني كصورة جميلة عن بالي قررت الانضمام في أحد الصباحات لمجموعة في رحلة حول ثلاثة معابد وحقول الأرز ومزرعة قهوة وشوكولاته. التجول في حقول الأرز بكل خضرتها منعش والتأرجح من علو منعش أكثر كنشاط خفيف. ستجدون عروض هذا النوع من الجولات في كل مكان أما إذا كنتم مجموعة فيمكنكم استئجار سيارة والذهاب بنفسكم في جولة من هذا النوع.

ليلة ملكية

الحقيقة أني أنفر من أي شيء تُلحق به مفردة (ملكي) لوصفه وأهرب من كل مايتعلق بالملكية من أسلوب حياة أو طقوس لكن قضاء الليلة الأخيرة من الرحلة في منتجع فخم على شاطئ جمبران Jimbaran  لشخص مثلي اعتاد الركض يعتبر ملكي بشكل أو آخر حتى وإن كنت ذلك الشخص الذي ينتهي من جلسة المساج في غرفته ليخرج للمشي لمسافات طويلة  ثم يترك عشاء المنتجع وشوائه وطيباته وموسيقاه ليتناول العشاء في مطعم دون اسم. ربما فقرة الدلال هذه تناسب الأشخاص الأكثر هدوء والذين لديهم قدرة على قضاء اليوم في غرفتهم أو أمامها وعلى شاطئها أما من خلقوا يركضون فعليهم توفير نقودهم.

جنة النباتيين

كانت بالي بالنسبة لي جنة من حيث الأكل، الأمر الذي فتح شهيتي بشكل لم أصدقه ولم أخبره مسبقاً. السلطات الملونة، السموثي، الشوفان و زبديات الخضروات المشوية كل هذا جعلني أغرق وأفكر جدياً بأن على هذه الجزيرة ما يستحق العودة طبعاً ليس الطعام فقط لكنه الطعام أولاً (: هنا بعض المطاعم التي جربتها.

وجهة آمنه جميلة تتميز بتنوع الأنشطة التي يمكن القيام بها فلا يخشى الشخص الملل لأنه حتماً سيجد ما يعجبه، رخيصة ، الناس ودودين جداً حتى أني لا أنسى أن خروجي من ثاني سكن أقمت فيه تصادف مع الاحتفال الديني فلم أجد أي وسيلة مواصلات حملت حقيبتي ومشيت حتى صادفت سيدة عند باب بيتها تهم بركوب دراجتها النارية سلمت عليها وأخبرتها بالمكان الذي أرغب الذهاب له وهل هناك طريقة للحصول على تاكسي أكدت لي أن ذلك مستحيل وعوضاً عنه عرضت علي أن تأخذني بنفسها (الحقيقة أن هذا كان مقصدي) وفعلاً أخذتني بكل لطف لوجهتي(: يزعم البعض أن  بالي عموماً وجهة غير مناسبة للمسافرين بشكل فردي من الجنسين حتى أني صادفت مهندس مغربي ألماني كرر هذه العبارة مرتين عندما علم أني لوحدي ( (you must be brave to come to Bali Alone  في المرة الأولى رددت عليه ألست لوحدك أيضاً أم لأني فتاة؟ أجاب بإنه ليس لوحده وإنما مع مجموعة عندما أعاد الجملة مرة ثانية استوقفته وطلبت إيضاح لأني لا أرى أي شجاعة في الموضوع فالبلد آمن ولم أتعرض لأي مضايقات فكانت إجابته أنه لا يقصد الأمن وإنما الوحدة في جزيرة مثل بالي (: بالنسبة لي لم تشكل لي هذه النقطة أي مشاكل لكن أعرف أن البعض يعتبرها سبب للامتناع عن السفر إلى بالي لذا من الجيد أن تعرف نفسك قبل التخطيط للسفر..

انتهى أسبوع أوبود بكل خفة دون خطط دقيقة ولا ترتيبات معقدة كل مافعلته أني كنت أهيم بصحبة نفسي ودون خارطة طريق.

سافر على طريقتك

business-3268751_1920

كان من المفترض أن أخصص هذه التدوينة للكتابة عن رحلتي الأخيرة إلى فيتنام لكن موضوع آخر أكثر إلحاح طفا على سطح أفكاري أثناء الرحلة وجعلني أشعر بالحاجة الملحة للكتابة عنه أكثر من أي شيء آخر. التسكع في فيتنام دون خارطة طريق ودون جدول سياحي ودون نصائح من أحد ربما هو ما أتى بفكرة هذه التدوينة حتى عززها كتاب عن السفر كنت أقرأه خلال الرحلة، استثارتني عدة مقاطع منه يسخر فيها الكاتب من طريقة الآخرين في السفر ويمجد طريقته! تزامن هذا مع توقفي عن متابعة شخص على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لأنه تحول من شخص يشارك الآخرين بخفة رحلاته ومعلوماته عن البلد التي يزورها وثقافتها إلى إله، لا يرينا إلا ما يرى و يتنمر على كل طرقنا الشخصية في السفر والاستمتاع! هذا كله استفزني على طريقة منذ متى تحول السفر من رغبة وحرية شخصية وشغف شخصي خاص يمارس فيه الفرد الطريقة المناسبة له إلى منهج وطريقة يجب أن يستمع فيها لرب أعلى يردد ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”! مع الأسف صنع الناس في السفر آلهتهم بنفسهم ثم عبدوها! أتذكرّ هنا كمّ الأشخاص الذين بدأوا في التفكير في السفر الفردي فقط لأن فلان يسافر بهذه الطريقة ويرى أنها الطريقة الصحيحة والوحيدة للسفر أو بدأوا في السفر الإقتصادي والتحدي أيهم يسافر بميزانية أقل رغم قدرته المادية وحبه للسفر لأن أحد مشاهير السفر يرى أن من يسافر بطريقة أخرى لا يفهم المعنى الحقيقي للسفر أو لأنه يري الموضوع موضة لابد من اتباعها! هذا عدا من اقترضوا المال لمحاكاة تجارب شخص آخر يسافر على حساب جيوب شركات الطيران والفنادق أو دعوات جهات حكومية حول العالم!

لماذا نسافر؟

أول سؤال نحتاج الإجابة عليه قبل التفكير في السفر وهو مفتاحنا لنسافر على طريقتنا. لماذا تسافر؟ هل تسافر لتقضي وقت طيب في مكان جديد مع نفسك أو مع شريك أو عائلة أو أصدقاء؟ هل تسافر للابتعاد عن بيتك و روتينك فقط؟ هل تسافر لتنفرد بنفسك؟ هل تسافر لتسترخي وتتخلص من الضغوط؟ هل تسافر لتتعرف على ثقافة مختلفة؟ هل تسافر لتقابل أشخاص جدد؟ هل تسافر لتزور معالم سياحية ؟ هل تسافر لممارسة أنشطة معينة؟ هل تسافر لتكتشف و لتتعلم؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستمكنك من رسم خارطتك وخطتك بنفسك لأنك إن اعتمدت على آخر لرسمها لك فإنه حتماً سيفعل بناء على إجابته هو لهذا السؤال.

كم ميزانيتك؟

هل تدخر لتسافر؟ أم لديك رصيد يكفيك همّ الادخار؟ أو ربما تسافر براتب الشهر الذي يصادف الرحلة وهذه ميزانيتك؟ أم ليس لديك ما يكفي من مال لكنك عاشق للسفر وعلى استعداد أن تفعل أي شيء من أجله؟

بناء على الإجابة ستحدد نوعية سفرك. في السفر سياسة “مدّ سفرتك على قدّ فلوسك” يجب أن تكون نشطة. لا يعقل أن تحاول مجاراة شخص تتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي يقيم في منتجعات فخمة ويستأجر سيارة بسائق للتنقل ويقضي يومه ما بين مطاعم ومقاهي فاخرة ويجرب كل الأنشطة الموجودة في البلد الذي يزوره وأنت ذو دخل قليل أو التزامات مادية كثيرة وأيضاً هذا لا يعني أن تحرم نفسك من السفر فقط لأنك لا تستطيع السفر بطريقته! كما أنه ليس من المنطق أن تحاول مجاراة أو الدخول في تحدي مع شخص يسافر بطريقة اقتصادية لأسبابه الخاصة بينما أنت تحب السفر و قد أكرمك الله بالمادة دون التزامات أو ربما تسافر مره واحدة أو مرتين في السنة ولمدة قصيرة بينما يسافر هو لمدة أطول! شهدت بنفسي كيف يتحدى بعض الأشخاص بعضهم في الإنفاق الأقل في السفر دون مبرر مقنع ولازلت بصراحة أتساءل إذا كنت أحب شيئاً ما ولدي قدرة مادية للإنفاق عليه بسخاء بعيداً عن الإسراف فلماذا لا أفعل؟ لماذا أتحدى نفسي في إنفاق أقل القليل خصوصا إذا ما كنت اعتبره أولوية! حتى أن أحد الأشخاص على سنابتشات تحدى متابعيه في تخمين ميزانية رحلته الأخيرة للتفاخر بأنها أقل مما يتوقعون ثم حين ذكر أحد متابعيه أنه زار نفس الوجهة وأنفق أقل تحول صاحبنا لوحش ينتقد التقتير في السفر والحرمان (: هذا ما سيحصل معنا إن وضعنا للسفر أرباب نتبعهم سيتلاعبون بنا ويحركوننا على أهوائهم. إذا وفقاً لقدرتك المادية دون تقتير ودون إسراف منتهي بديون سافر، إن لم تملك سوى القليل فهناك الكثير من السبل التي ستساعدك كحجز الطيران المبكر والنزول في دور الشباب أو استخدام couchsurfing   أو العمل في البلد الذي تزوره مقابل السكن والطعام طبعاً وأي طريقة تختار عليك النظر فيما إذا كانت تشبهك وتناسبك أصلاً أم لا. أما وإن أكرمك الله بالمال فخياراتك مفتوحة.

مع من تفضل السفر؟

قد تكون الإجابة مع نفسك و لوحدك حيث ترتب جدولك ووقتك بما يناسبك، تزور الأماكن التي تحب وتتفاعل مع من تشاء دون قيود أو تجدها فرصة لأن تختلي بنفسك وقد تكون الشخص الذي يحتاج مشاركة آخرين قريبين منه سواء أهل  أو أصدقاء أو صديق حميم ليستمتع بوقته أكثر أو لأنه لا يحب التفاعل مع الغرباء لذا يفضل أن يكون دائما بصحبة أشخاص يعرفهم أو لأنه ببساطة يخاف السفر وحيد وقد تكون الإجابة مع مجموعات سياحية تكون فيها واحداً بين جماعة تتعرف فيها على أشخاص آخرين لا عائلة ولا أصدقاء. ربما تكون مزيجاً من السابق كله فتسافر أحياناً لوحدك وأحياناً مع عائلتك أو أصدقائك وأحياناً مع مجموعات سياحية. الحالة الاجتماعية تساعد كثيراً في إجابة هذا السؤال بمعنى هل ترتبط بشريك أو أطفال يرون أنه من الأنانية أن تسافر دون اصطحابهم أو يرون أنه من المريح أن تسافر لوحدك بينما هم يقضون وقتهم بالطريقة التي يفضلونها أو مره معهم ومره بدونهم وفقاً لما يناسبكم كعائلة! إذا دائما سيكون لك أسبابك الخاصة التي تجعل من طريقة معينة في السفر مناسبة لك أكثر من بقية الطرق. تقول صديقة قبرصية أنا لا أستطيع الصمت ولو لدقيقة لذا أحتاج أن أسافر دائماً بصحبة أحد لأتحدث معه طيلة الوقت وصديقة يونانية تقول أنا لا أستطيع تناول الطعام وحيدة في مطعم لذا لا أتخيل أن أسافر وحيدة. أواجه هذا السؤال كثيرا: كيف تسافرين لوحدك وكيف نستطيع السفر لوحدنا؟ في السابق كنت أحاول الإجابة على كيف بأن أمجد كثيراً السفر الفردي وأحاول تشجيع الآخر عليه كنت من التطرف لدرجة التلميح بأنه أفضل أنواع السفر وأعظمها! وهذا صحيح لكن من وجهة نظري الشخصية جداً. تنبهت لمبالغتي واستيقظ الاخصائي النفسي داخلي ونبهني بأني بهذا التمجيد قد أجعل الآخر يشعر بالنقص كونه لم يجرب أو لا يحب هذه الطريقة! وأنها أولاً وأخيراً طريقة ونوع مناسب لي ولخصائصي لكن قد لا تكون كذلك للآخر لذا مؤخرا أصبحت أبدأ بتوضيح أني أسافر لوحدي لأن هذه الطريقة تناسبني وتناسب ظروفي بعد التجربة والاختبار وتناسب خصائصي الشخصية وهذا هو المهم لكن هذا لا يعني أبداً أنها الطريقة الصحيحة والمناسبة للجميع ولا يعني أن تجربتك ينقصها شيء إن لم تسافر بهذه الطريقة هي مجرد وسيلة من وسائل عدة لتحقيق غاية أعظم وهو السفر أي أنها ليست غاية بحد ذاتها تشعر بالضيق إن لم تبلغها.

أخيراً السفر تجربة شخصية اختيارية بحتة قد تستفيد في تخطيطها من توصيات المواقع والمسافرين الآخرين ومن سبقوك لوجهة معينة لكن لا يفترض أن تكون استنساخ لتجربة آخر أو تقليد له أو أخذ بتوصيات معينة كفرض لابد من اتباعه حتى وإن لم يكن مناسب لك أو جعل الآخر إله تسجد له قبل كل سفرة فقط لأنه يسافر أكثر منك أو يسافر لأماكن لا تعرف عنها! السفر متعة ولذة شخصية لا يفترض أن تمارس فيها أي شيء يتعارض مع استمتاعك لذا اسأل نفسك قبل كل خطوة في الترتيب لسفرك: هل هذا الشيء ( طريقة، طقس، تجربة، مغامرة) ممتع لي شخصياً أم لا ؟

سافر بهدف: رحلتي إلى زنجبار

خضت في يونيو الماضي تجربة حياتية إنسانية مختلفة عن جميع تجاربي السابقة ولأنها أكبر من مجرد تجربة وأعمق من خبرة حياتية عابرة أخذتني الحماسة لتوثيقها والكتابة عنها رغم الخوف الذي راودني من عجز الكتابة عن نقلها بتفاصيلها وكامل أثرها.

في يوم ٢٣ يونيو ذهبت إلي زنجبار- تنزانيا  في رحلة تطوعية مع مؤسسة نموهب وهي مؤسسة اجتماعية تهدف لتعزيز ثقافة السفر لهدف عن طريق السعي لتغيير فكرة السياحة والسفر من مجرد زيارة وجهة معينة إلى زرع أثر ممتد في هذه الوجهة من خلال المساهمة في أعمال تطوعية تنظمها المؤسسة. هدفت الرحلة للمساهمة في بناء فصول دراسية في مدرسة كينوني في زنجبار بالإضافة لجدول سياحي يمنح المتطوع الفرصة للوقوف على أهم معالم و مزارت البلد وأنشطتها السياحية.

فكرة الانضمام لنموهب جاءت من شغفي بالعطاء و بفكرة كانت ترددها والدة صديقتي :” من عطى عطى نفسه” من جانب وعشقي للسفر من جانب آخر فكانت نموهب هي مصباح علاء الدين ومارده الذي جمع بين شغفي وعشقي. هذا المزيج الرائع بين العمل الخيري والسياحة هو ما حفزني بشدة للانضمام لهم. كانت الرحلة على مدى شهر كامل لكن يحق للمشترك اختيار أسبوع واحد فقط أو أسبوعين أو ثلاثة وعليه اخترت أسبوع واحد مدفوعة بحماس العطاء ومتخوفة قليلاً من انعدام الخبرات السابقة.

نموهب
الصورة من حساب nomuhub@ على انستقرام

ما قبل الرحلة

من خلال موقع نموهب اطلعت على تفاصيل رحلة زنجبار  وسجلت في الأسبوع الثالث الذي يبدأ يوم الأحد ٢٣ يونيو وينتهي يوم السبت ٢٩ يونيو بتكلفة 960$ في الحقيقة كانت التكلفة مبهرة لي حيث تشمل السكن والمواصلات واستقبال من المطار وتوصيل للمطار ووجبة فطور وغداء والأنشطة السياحية والتبرع أيضاً لبناء الفصول ولأجرة العمال المحليين، إذا هو تبرع أولاً وتطوع ثانياً ثم سياحة في جزيرة كنت في الأصل متحمسة لزيارتها بعد أن شاهدتها وشواطئها العظيمة في فيديوهات لسياح أجانب وعرب.

بعد الحجز بدأت في الإستعداد بتفحص الجو في زنجبار فوجدته مشمس نهاراً ومعتدل مساءً و تعتبر الفترة من يونيو إلى أكتوبر من أفضل الأوقات لزيارة زنجبار. ساعدني ذلك في تحديد القطع المناسبة للرحلة والتي كانت في أغلبها من القطن والأقمشة الخفيفة. الأهم من الملابس كانت التطعيمات/ اللقاحات التي يجب أخذها قبل السفر إلى زنجبار، بناء على توصيات وزارة الصحة ووفقاً للبحث الذي قمت به كان لقاح الحمى الصفراء أهم اللقاحات المتفق عليه عداه يتم استشارة الطبيب وبعد القراءة والاستشارة انتهيت لأخذ لقاح الحمى الصفراء وأقراص مضادة للملاريا. حرصت على أن أخذ معي حقيبة اسعافات أولية صغيرة ومناديل ديتول وبخاخ مضاد للبعوض. بالنسبة للتأشيرة لم تشغل بالي حيث يمكن الحصول عليها في المطار مقابل ٥٠ دولار فقط قمت بعمل تأمين سفر.

IMG-0879

في زنجبار

 منذ أن وصلت المطار تم استقبالي بما يعطي طابع عام عن زنجبار وكونهم شعب *(هكونا ماتاتا) إذ أردت دفع رسوم التأشيرة لإدارة الهجرة والجوازات باستخدام بطاقتي الفيزا إلا أنهم طلبوا كاش رغم وجود علامة الدفع باستخدام الفيزا والماستر كارد ولأني لا أحمل كاش طلبوا مني الخروج من المطار حيث يوجد جهاز صراف (: خرجت ولم أتنبه أني تحولت سريعاً لهكونا ماتاتا إلا حين أردت الدخول للمطار وتذكرت أني تركت جوازي مع موظف كان ينظم السير حتى أني لا أعرف وظيفته الأساسية وهو الذي لم يرتدي بدلة رسمية! الحمدلله بعد دقائق من الفجيعة والبحث جاء الموظف ضاحكاً بجوازي وتم الدفع والدخول لتبدأ الرحلة مع نموهب وباص نموهب وحسين من زنجبار يغني لنا ويتحدث عن زنجبار حتى وصلنا للنزل مكان إقامتنا أو بيتنا مثلما أصبحت أسميه وهي التسمية التي تليق بحميمته وأبوابه الخشب وتفاصيله الدافئة بأدواره الثلاثة وسطحه الصغير الذي قضيت إحدى الليالي فيه أنا التي لا أذكر آخر مره صعدت فيها لسطح منزلنا. أيضا (بيتنا) تليق بمريم أم البيت وروحه، مريم التي كان من واجبها أن تدير السكن فقط لكنها تحولت لأم تنتظر الجميع حتى يعودون من الخارج تسأل عن يومهم تغمرهم بلطفها تخرج معهم في جولات لوسط المدينة تفعل كل هذا بابتسامة عريضة ابتسامة حقيقية تنسيك مسؤوليتها الأساسية وتذكرك بأنها أم حنون كلما عدنا من العمل وسألت كل شخص فينا عن يومه وهل كان اليوم شاق؟ السؤال الأخير يدفعني لتفصيل تجربة التطوع.

المدرسة والعمل التطوعي

كانت المدرسة تبعد عن سكننا قرابة ٢٠ دقيقة أو أقل وكان العمل فيها من الساعة ٨ تقريباً إلى الساعة ٢:٣٠م.  قطعنا الطريق في أول يوم بكل حماسة وتلهف ونشاط ما إن توقفنا عند المدرسة حتى تم اخبارنا أنهم أعدوا استقبال لنا في الحقيقة لم يسعفني خيالي بأي صورة مسبقة لوضع الطلبة والمدرسة لكن ما إن وصلت حتى أدركت أن الوضع لم يكن ليشبه أي تصور مسبق. خطف قلبي قبل بصري منظر الأطفال يجلسون على التراب لاستقبالنا، بعضهم حفاة دون أحذية والكثير منهم دون حقائب وإنما ما تيسر من مرادفات بالية لمفهوم حقيبة و تنتثر القمامة في المشهد! توالت المشاهد خلال أيام التطوع لتؤكد لي قلة حيلتي وعجزي أمام أطفال بحاجة للكثير بدء بالماء والطعام مروراً باللباس وانتهاءً بالتعليم الجيد. أصبح مشهد الأطفال يلعبون حولنا وليس في الفصول مألوف فالفصول أقل من عدد الطلبة لذا هم يتناوبون على الفصل الواحد، لذا كان أحد الفصول في الهواء الطلق أرضه تراب وسقفه شجرة، لذا تم استخدام أحد الفصول التي تم بنائها قبل الإنتهاء منه ولذلك كله كانت نموهب تقوم ببناء الفصول.

حين وصلنا كانت المهمة التي تنتظرنا هي ثلاث فصول كالتالي: إكمال بناء الفصل الثالث جدرانه وأرضيته  و وضع الجبس للفصل الثاني وصبغه وصبغ الفصل الأول. كنا ١٠ متطوعات و٣ متطوعين. صدقاً لم أتخيل المهمة شاقة ولا أعرف لماذا كنت أتخيلها عادية حتى بدأنا في جلب الرمل والجبس وجره في العربات وخلطه بالماء ونقله للفصول هنا بدا السؤال المنطقي لماذا لا يوجد خلاط كهربائي؟ ولأن الإجابة واضحة وهي لا يوجد كهرباء ولا ماء كافي! أدركت أن سؤالنا يقف جنباً لجنب مع المقولة الشهيرة لجان جاك روسو في كتابه الإعتراف والتي أوردها على لسان الملكة ماري انطوانيت : ” إذا لم يكن هناك خبز للفقراء دعهم يأكلون الكعك”. توالت الأيام ما بين عربات الرمل والجبس والخلط ، توالت الأيام ونحن منغمسون في العمل لا نبالي بكميات التراب والجبس التي تغطي ملابسنا وتزين وجوهنا نعم تزينها لأننا لم نعد نبالي بمسحها بل نتناول الغداء ونخرج من المدرسة للبيت بوجوه ملطخة ونفوس متصالحة نحن الذين كنا نتفحص وجوهنا في المرآة بعد كل وجبة لنتأكد من خلوها من بقايا الصوص أو الكريمة. في هذه الأيام شعرت بكل العمالة التي تقضي أيامها تحت الشمس لتبني بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا دون أن نكون معهم بامتنان الزنجبارين الذين كانوا ينظرون لنا كملائكة في مهمة عمل على الأرض فكانوا يمتنون لنا أكثر مما نستحق، لا أزال أتذكر استقبال الأطفال لنا أول يوم وهم ينشدون كلمات تصف كم نحن عظماء وذو مقام رفيع فقط لأننا جئنا لنبني فصول لهم فقط لأننا جئنا لنقدم واجبنا على هذه الأرض ونعمرّها! و لا أزال أتذكر رسالة ميزا (الفتاة المسؤولة عن تنظيف بيتنا) الرسالة الطويلة التي تودعني فيها وتشكر حضورنا لبلدهم لمساعدتهم ولبناء فصول لهم! امتنانهم العظيم لكل ما نراه أنا ومجموعتي شيء بسيط علمني ألا استصغر من المعروف شيء فمثلاً قد يتردد البعض أحيانا في تقديم شيء لشخص لأنه يرى هذا الشيء تافه وهو ما حصل مع صديقتنا صفاء من السودان حين خجلت من إعطاء كيس حلوى معها للعاملات في البيت فأخذته وأعطيتها لواحدة منهن، أذهلني امتنانها حتى أنها طلبت رقمي وأرسلت لي في المساء عدد من مقاطع الفيديو لطفلها وأطفال اخوتها وأطفال الجيران بيدهم الحلوى يغنون لي ويشكرون! إذا علمتني زنجبار الامتنان وعدم استصغار أي معروف.

زنجبار سياحياً

بجانب العمل التطوعي كان هناك برنامج سياحي للوقوف على جمال زنجبار. كان المساء مخصص للسياحة والأنشطة، أغلب ما مرّ بي في المدونات والفيديوهات السياحية عن زنجبار قمنا به:

– ستوون تاون : تجولنا مع مرشد سياحي في هذه المدينة القديمة المدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي والتي أخذت اسمها (المدينة الحجرية) من بناء مبانيها من الأحجار والصخور المرجانية وتعكس المدينة الحضارات العربية والأوروبية والهندية التي مرت عليها إذ يبدو ذلك في عمارتها وأبوابها الخشبية وأماكن العبادة المتنوعة فيها والتي تعتبر إشارة على تنوع الأعراق التي استوطنتها.

– ذهبنا في جولة في المركب وقت الغروب مع عزف موسيقي حي عظيم لمزيج من الموسيقى السواحيلية والعربية. العروض لهذا النوع من الجولات أعتقد كثيرة يستطيع السائح اختيار ما يناسبه أيضاً بعضها يقدم مأكولات خفيفة ومشروبات.

– زرنا مزرعة التوابل: لا أعتقد أنها ستسقط من قائمة أي شخص يزور زنجبار المعروفة باسم جزيرة التوابل والتي حين عدت منها سألتني زوجة أخي عما إذا كنت قد أحضرت قرنفل. صحبنا مرشد في الجولة حول الأشجار يعرف بكل واحدة ويشجع حواسنا لتتعرف عليها كما صحبنا آخرين يصنعون من أوراق الشجر أساور و قلادات وتيجان لنا. شاهدت مزرعة التوابل في الكثير من الفيديوهات وكان مشهد الرجل الذي يصعد شجرة جوز الهند الطويلة بسرعة وهو يغني من أكثر المشاهد التي شدتني وتمنيت تجربتها وبالفعل جربتها وإن لم أستطع تجوز ربع الشجرة (ربما لأني لم أكن أغني).

 جزيرة السجن : كان يتم احتجاز العبيد فيها ثم المصابين بالحمى الصفراء أما الآن فقد أصبحت بما فيها من بقايا السجن معلم سياحي يضم فندق وخدمات أخرى كذلك تضم الجزيرة السلاحف العملاقة  بأعمارها المسجلة على ظهرها ويستطيع السياح إطعامها والتصوير معها (بالمناسبة هل تعض السلحفاة وهل عضتها مؤلمة؟ هذا السؤال كان مثار جدل بيننا ).

– قضينا مساءنا الأخير على أحد الشواطئ الرملية الخاصة واستمتعنا بجلسة حول النار وعشاء لذيذ. صفاء المياه وزرقتها والرمال التي لا تسخن رغم الحرارة من أكثر الأشياء التي طالعتني عند البحث عن زنجبار وربما هذا ما يفسر كثرة السياح الأوروبيين فيها: شواطئ عظيمة وتكلفة قليلة.

درس القهوة: حضرنا درس قهوة في مقهى بزل للقهوة المختصة مع ليو (صاحب المقهى ومعدّ القهوة الشغوف بها). هذا النوع من الدروس كما أشرت في تدوينة أكثر من سفر من أهم الأنشطة التي أحب ممارستها في السفر.

زنجبار مع مجموعة

هي المرة الأولى لي التي أسافر فيها مع مجموعة لا أعرفها فغالبا ما أسافر وحيدة أو مع الأصدقاء أو العائلة. كان السفر مع مجموعة الإضافة الثالثة لي بجوار التطوع والسياحة. كانت المجموعة عظيمة استثنائية أضاف لي كل فرد فيها إضافة على المستوى الشخصي المعرفي والعاطفي كذلك علمتني أن العمل مع فريق ينجح وفقاٍ لشخصيات الأفراد فيه، ومن حسن الحظ أن جميع الأفراد كانوا على مستوى عالي من اللطف والجدية والتعاون والهمة العالية والإحساس بالآخر، كان الجميع يتعاملون وكأنهم يعرفون بعض منذ زمن طويل. كانت نورة من السعودية تطرح في كل ليلة سؤال يبدو سهل لكنه يغوص بكل واحد منا في أعماقه وأعماق الآخرين من نوع: ماهي موهبتك؟ ما الوظيفة التي تعتقدون أنها تناسب فلان؟ وهكذا نقضي المساء باكتشافنا و إكتشاف الآخر. كان يوسف من عمان (مدير المشروع ومتطوع سابق مع نموهب) يسأل من ليلة لأخرى عن أثر الرحلة وكيف وجدناها، في أول مره تركزت الإجابات حول المجموعة وانطباعاتنا عن المجموعة في آخر جلسة تركزت الإجابات على تأثير تجربة التطوع علينا وعلى أحاسيسنا ومشاعرنا ومن هذه الجلسة ما تعلق في قلبي وسيظل معلق كفاطمة من الكويت حين قالت :” أفكر إن على الأرض مصادر تكفي كل البشر لكنها ما تتوزع بعدل” ونورة حين قالت :”في الباص في أول يوم كنت أتأمل البيوت والناس وأفكر كيف ممكن يحسنون من بلدهم ويطورون مجتمعهم خصوصا إنهم في مجتمع بسيط وبعدين لما رحت المدرسة وشفت الأطفال كانوا يلعبون بالقمامة ومبسوطين، فكرت إنهم مبسوطين بس مايعرفون ايش يستحقون بالضبط لأنهم يستحقون أشياء أفضل من كذا بكثير خصوصا الأشياء الرئيسية التعليم و جودة الحياة” و أماني من عمان حين قالت:” هذي التجربة خلتني أقول الحياة كتاب ليست كل فصوله سعيدة” و أسئلة سعيد من عمان :” من أول يوم وأنا أفكر ليش هم مو أنا ؟ ليش أنا خذيت هالوضع في الحياة وهم لا؟ ليش أنا استحقيت أكثر منهم ؟” و يوسف حين قال :” في تجربة مثل هذي المفروض تفكرون بالأثر اللي سويتوه للناس وللأطفال وكيف تطوعكم رح يأثر عليهم وعلى حياتهم على المدى البعيد أكثر من كيف أثرت هالتجربة عليكم”. أخيراً جاءت عبارة متأخرة لأماني التي قضت أسبوعين متطوعة في زنجبار لتكون مثل صدى يتردد حتى الآن في ذهني :” أول ما أرجع بأسوي ديتوكس روحي بأتخلص من العلاقات اللي مالها قيمة  وتزعجني” أعتقد أن هذه الرحلة قد تغلغلت لأعمق من السطح لدى بعضنا.

تصوير: نورة
تصوير: صفاء

كتجربة كاملة لا أستطيع اختزال الرحلة في تدوينة وإن كنت أطلت وأطلت لكن محاولة كهذه محاولة فاشلة لاختصار حياة في كلمة لكني سعيت جاهدة لأن أذكر شيء من وعن تلك الحياة علّه يشجع راغب أو يثير الحماسة لمن يستمع لأول مره وإن حصل ذلك بالفعل فتوجهوا لموقع نموهب واقرأوا أكثر عنهم وعن مشاريعهم إن لم يعجبكم البناء هناك التدريس والخدمات الطبية ومشاريع الإستدامة. أخيراً إن قررتم الذهاب وبمقدوركم أخذ هدايا للأطفال فافعلوا هذه واحدة من الأشياء التي ندمت عليها، حين سألنا عن الهدايا تم إخبارنا أن عددهم بالآلآف ومن الصعب إعطائهم جميعاً! الآن ندمت إذ كان من السهل علي توفير الهدايا للآلاف من خلال جعلها مشروع صغير بيني وبين الأهل والأصدقاء ولن يزعجني نقلها خاصة وأنه لم يكن بصحبتي سوى حقيبة صغيرة. أيضاً إن كنتم تحبون خذوا معكم مبالغ مالية موزعة في أظرف توزعونها على من يخدمكم أو يعمل معكم. لا تكاسروا! وهي القاعدة التي مع الأسف لم أتبعها في أول أيام التسوق لكثرة ما سمعت أن سعر السلعة مضروب في ٢ وأن علي أن أطلب من البائع السعر الأقل مباشرة ورغم أني لا أتذكر أني سبق وفعلتها سواء في السعودية أو خارجها إلا أني فعلتها وندمت في زنجبار قبل أن أتنبه لفكرة: لما لا أعتبرها صدقة تعطى مع المحافظة على كرامة الشخص بدل أن أعطيه مال دون سبب على الأقل اشتري بضاعة بضعف حقها! حين تنبهت لهذه الفكرة كانت البائعة العجوز قد خصمت لي بعد المكاسرة ٢٠ شيلينق من قيمة القطع التي اشتريت سلمتها المبلغ مع العشرين وقلت غيرت رأيي لا حاجة لردها رفعت يدها وبدأت بالدعاء. وفي سياق الشراء كذلك اشتروا ولا تبخلوا حتى وإن لم تكونوا بحاجة ماسة أتذكر أني مره كنت في إحدى قرى جازان في السعودية ومررنا ببقالة في بيت قديم أخبرنا المرشد أنه من الجميل لو اشترينا أي شيء من هذا البيت فهي وسيلة لمساعدتهم هم الذين لا يمرهم سوى قلة من الناس كذلك تذكرت منار في تعليقها على دفع أسعار أعلى من قيمة السلع في سيرلانكا وعدم التدقيق:” كل ما ندخل بلد أنا وأمين ندعي :اللهم ارزقني وارزق مني” فعلاً اللهم أرزقنا خير ما في هذه التجارب و أرزق منا ومن خيرنا..

 

مَخرج

26f1ca3b-13b7-45de-855b-fdf7c2007197
الفصول الثلاثة بعد إكتمالها من تصوير سالم

* هكونا ماتاتا: عبارة سواحلية معناها لا تقلق، لا تخف ، لا مشكلة

إجازة نهاية الأسبوع: الأردن

استكمالاً لسلسلة تدوينات إجازة نهاية الأسبوع والحديثة الولادة ستكون هذه التدوينة عن رحلتي إلى الأردن (عمان -البتراء). أستطيع وصف عمان بأنها المفاجأة التي فاقت التوقعات وجادت علي بأكثر مما حلقت ساعتين لأجله. الكثير من الطيبة والناس المرحة والضحك والحياة الحقيقية. جلّ الوقت في عمان أو كله بالأصح كان من نصيب وسط البلد. في وسط البلد ستفاجئك الدهشة وستكون محظوظ إن ساقك الحديث والضحك مع الأشخاص الطيبين في الدكاكين والمقاهي لأن تكسبهم أصحاب ينطلقون معك في جولة سياحية.

سأجتهد هنا لوضع خارطة بسيطة تشد على يد من مثلي يسعى بكل اجتهاد للخروج من عنق الزجاجة على الأقل مره في الشهر/نهاية الأسبوع. هنا سأقول له باستطاعتك الخروج من الروتين والعمل في رحلة تستغرق ساعتين وبخيارات سكن دوماً سيكون فيها ما يناسب ميزانيتك وبرحلة تمارس فيها المشي والجلوس حول البحر وفي المقاهي وتجمع بين الحضارة والتاريخ والتمدن والطبيعة، مناسبة لك إن كنت تسافر لوحدك أو مع مجموعة. أرجح أن يكون اليوم الأول من نصيب وسط البلد بكل ما فيه من أنشطة، اليوم الثاني للبتراء والثالث للبحر الميت وما تبقى من وسط البلد.

وسط البلد

المدرج الروماني في وسط البلد وتحديداً على جبل الجوفة يقع المدرج الذي يعود للعصر الروماني. تذكرة الدخول للمدرج 2 دينار لغير الأردنيين إلا أن الموظف حين صححت له بأني لست أردنية وإنما سعودية حلف أنه لن يأخذ مني إلا مثل ما يؤخذ من الأردني وهو أقل من ربع المبلغ (00.25 (.

جبل القلعة أيضاً هنا تكرر المشهد وتكررت المعاملة وعوملت كأردنية فيما يتعلق بتذاكر الدخول. قطعت الطريق مشياً من وسط البلد ثم صعوداً للجبل مع فتاتين تعرفت عليهم صدفة وأصبحنا أصدقاء حتى الآن. المنطقة عظيمة وتأخذ الأنفاس، الوقوف عليها يمنح الواقف إطلالة رائعة على عمان. على الجبل بعض الآثار كبقايا كنيسة و القصر الأموي و ما تبقى من واجهة معبد هرقل وهي الأعمدة الستة الضخمة التي يتسابق السياح للتصوير عندها.

درج الكلحة ماذا عساي أقول في أوصافه!* مفتونة لأقصى درجة بقطعة الفن الملونة هذه التي خلقت لي أجنحة من بهجة وجعلتني أطير. مفتونة بالفن والحياة التي تسود في هذا الدرج. الصعود على هذا الدرج عبارة عن غرفة مفاجآت تصافحك فيها الجداريات الجميلة ما بين السيدة فيروز ودرويش وجبران ومارسيل وعلى جنباته تحتضنك البيوت القديمة والمحلات و المقاهي والمكتبات وفي استراحاته وما بين مجموعة عتبات والأخرى تنتشر جلسات المقاهي و لوحات الفنانين ومئات الكتب المعروضة. إنه أعمق من درج وأكبر من غاليري وأقرب لتظاهرة فنية ثقافية. هنا بعض أماكن الدرج التي يجب أن لا تفوت الصاعد أو النازل منه:

زيزفون كافية وفن متأكدة أني حتى وإن لم أوصي المار بدخوله فإن مقاعده الخشبية بلونها الفيروزي واللوحات الفنية التي تتخللها ستكشف ساقها وتغويه بالدخول. زيزفون مقهى ثقافي فني تقام فيه ورش العمل والجلسات النقاشية وورش الرسم والمعارض الفنية.

عزوتي “لديك ما يكفيك من خبزٍ ولكن ليس ما يكفي جميع الناس” شدتني هذه العبارة المحفورة على كرسي خشبي على درج الكلحة بجوار مطعم صغير نقشت على جداره نفس العبارة. على واحدة من طاولتي المطعم جلست فتاتان كانتا الوحيدتان في المكان وما إن دخلت حتى تعرفت عليهم وعلى قصة المكان. هذا المكان أو المطعم هو (عزوتي) مطعم خيري لصاحبه محمود النابلسي رجل أعمال مهتم بالعمل الخيري. يدخل الشخص للمطعم ياعازم يامعزوم، عازم يدفع قيمة وجبته ووجبة أخرى تعلق قيمتها على لوح في المطعم حتى إذا ما جاء شخص محتاج أصبح معزوم وأخذ الوجبة المدفوعة قيمتها. العاملين في المطعم متطوعين يحضرون الوجبات البيتية الطازجة ( رغيف زعتر ، صحن لبنة، قلاية بندورة..)، الفكرة أن تعد كوجبة منزلية بسيطة تشعر المحتاج أنه يأكل بحميمية وبساطة في بيته دون تكلف المطاعم الاحترافية … عزوتي فكرة عظيمة تدار بأيدي بيضاء محبة للعطاء.

جدل: معرفة وثقافة  من أكثر الأشياء التي أبهرتني البيت العربي القديم على درج الكلحة حيث تشدك لوحة جدل الخضراء من قلبك وأنت تصعد الدرج ويشد على يدك الشباب على الدرج بأن تدخل وتكتشف جدل. جدل مشروع ثقافي اجتماعي نشأ بمبادرة خاصة غير ربحية من فادي عميرة المهندس الذي استقال من وظيفته إثر الربيع العربي وبدأ بهذا المشروع كنوع من إشباع حاجة الشباب لمكان يجمعهم للنقاش والحديث. أبهرني البيت ذو الأربع غرف والمطبخ وحديقة السطوح و قد تحول الصالون فيه إلى سينما وغاليري بينما حولت إحدى الغرف إلى مكتبة وقاعات دراسة وأخرى إلى قاعة اجتماعات أما الساحة فاحتضنت الجلسات الخارجية والسطح حوّل لحديقة تقابلك فيها الورقيات والمواد المعاد تدويرها (المكان صديق للبيئية، يمنع استهلاك البلاستك ويشجع إعادة التدوير). النور الذي يكتنف الساحة والسماء التي تظلل الجلسات يجعل خططك مع المكان كثيرة: تلتقي بأصدقائك فيه، تقرأ فيه، تستذكر دروسك، تعمل.. الخ.  نظام جدل هو نظام اللامقهى بمعنى لا يدفع الشخص لما يستهلكه من طعام وشراب وإنما يدفع مقابل الوقت الذي سيمضيه (يدفع مبلغ بسيط لأول ثلاث ساعات ثم نصف المبلغ ثم تكون جلسته بالمجان). تقام في جدل جلسات نقاش وعروض أفلام تتبعها جلسات نقاشية ودروس رقص ويوغا وتأمل ودروس طبخ و دروس تعليم لغة عربية وغيرها.

انتهي من درج الكلحة ولا ينتهي مني كما لم ينتهي من عدد من شعراء الأردن الذين خلدوه في قصائدهم.

جميدة خانم: لن أزور الأردن وأخرج منها دون تناول المنسف وهي عادتي في أي بلد أزوره أتناول أطباقه التقليدية حتي وإن كانت تتعارض مع نظامي الغذائي. اخترت هذا المطعم وتجاهلت بقية المطاعم التي تظهر بتقييمات أعلى على مواقع السياحة وفي بعض توصيات الأصدقاء والدافع الرئيسي كان اسمه (:  سأعترف أني تخيلت المطعم لسيدة أردنية اسمها جميدة والآن أفهم سر دهشة سائق التاكسي وأنا أنطق الأسم وهو يبذل جهد في التعرف عليه حتى توقفنا عنده وبإبتسامة قال : (آه جميدة ). المطعم لزوجين أردنيين ويقع في الطابق الثاني لبيت قديم في وسط البلد يستقبلك بابه الحديدي الأصفر بكل بهجة، فكرته هو تقديم الطعام الأردني التقليدي بحلّة حديثة و خلق مكان حميمي على غرار سنترال بارك في المسلسل الأمريكي فريندز يكون بيتاً وحضناً للشباب والشابات في جميع الأوقات الأمر الذي يفسر (عشة) الحمام الموجودة في السطح بجوار الجلسات وبقية التفاصيل من مشغولات يدوية معلقة علي الجدار وجاهزة للبيع للشباب العاملين الذين تجدهم بجانبك على الطاولات يتبادلون الحديث ومستعدين لأخذك في جولة في المكان كذلك توجد فرقة موسيقية وجلسات خارجية في الشرفة والسطح. عندما تطلب قائمة الطعام وتنتظر ورقة أو كتيب سيفاجئك أحد الشباب بلوح أسود مقارب لطولة يحمله لطاولتك ثم يبدأ شرح الأطباق. المفاجأة الأخرى ستكون حين يحضر لك الشباب لوحة فنية تحت مسمى منسف. بالمناسبة إن كنتم مثلي لم تعرفوا معنى جميدة ابحثوا عنها (:

بيت ستي: كان في قائمتي منذ زمن وأخيراً الآن هناك إشارة صح بجانبه. من الاسم ستتوقع شكل ما أنت ذاهب إليه وربما تخمن شكل التجربة التي ستكون في هذا المكان. بيت ستي بيت عربي خمسيني قديم حين تدخله تشعر بأن الزمن عاد للوراء وأنت الآن في منزل عربي قديم لعائلة راقية بكل صور الأبيض والأسود المعلقة على جدرانه وأثاثه الخشب المعتنى به. حافظت عليه ثلاث شقيقات وأدرنه بذكاء ورغبة في المحافظة على الإرث الأردني الثقافي بجانب تمكين السيدات الأردنيات فتحول البيت لمطعم يدعم السيدات الأردنيات ممن يجدن الطبخ التقليدي. فكرته قائمة على تقديم دروس طبخ للأطباق الأردنية التقليدية لذا لا أفضل تسميته مطعم لأنه مرتبط بالدروس ويفتح بالحجز ومن أجل الدروس. يحجز الشخص عن طريق الموقع لدرس مدته ثلاث ساعات تقريباً (٣٥ دنيار أدني) ينضم فيه لمجموعة من الأشخاص يتراوح عددهم مابين ٩-١٢ تقريباً وبالإمكان طلب درس شخصي خاص لكني لا أحب ولا أنصح بذلك فالمقصد ليس التعلم بقدر ماهو الاختلاط والاستمتاع والتعرف على ثقافة بصحبة أشخاص مختلفين. (توصية: اقترح حجز آخر دروس المساء أما النهار فقضائه في جولة في الأماكن السابقة)

البتراء

ليلة في البتراء وفي فندق Petra bubble luxotel  تحديداً من أجمل التجارب بالنسبة لي. هذا النوع من الفنادق لي معه أمنية قديمة إذ أخطط منذ زمن للنزول فيه في إحدى المدن التي يمكنني فيها مشاهدة ظاهرة الشفق هذه الأمنية جعلتني أتحمس حين عرفت بوجود هذا النوع في قلب صحراء قريبة مني، نعم ليس هناك شفق لكن هناك نجوم ليلية وكثبان رملية على مد النظر. عمان عموماً كان الدافع الرئيسي لها مشاهدة البتراء التي من عرفت نفسي وأنا أحلم بها وأشعر بالخجل من قربها مني وبعدي عن زيارتها. ستحتاج الجولة في البتراء إلي يوم من أول النهار إلى ما بعد الغروب ولن تنتهي من كل تلك الآثار الممتدة والتي ستقطعها بقصورها ومقابرها ومسرحها وجبالها الملونة مشياً علي قدميك وبصحبة مرشد سياحي أفترض فيه الروح اللطيفة والثقافة العالية كما حصل لي. أكثر ما أذهلني بقاء الصحراء صحراء والبدو بدو دون أن تُقتل هذه الأصالة بمرور الثقافات المختلفة منها فبقت اللهجة البدوية الخالصة على نفس اللسان الذي يتحدث الإنجليزية بلكنة مذهلة وبقي الزي والكحل والشعر الطويل والفضة التي عرضت للبيع في قلب الصحراء بجانب كل اللباس والألسنة التي تمرها. زيارة البتراء واجب والنصيحة أن تكون في يوم خميس حيث تشعل الشموع مساء وللخيال حرية رسم صورة للشموع المتراقصة في الصحراء. النزول بالفندق اقتراح والنصيحة أن يكون مع صحبة طيبة  فالإقامة في قلب الصحراء والسهر في خيمة بدوية والاستمتاع بجلسة عزف على العود وشاهي الجمر ومراقبة النجوم من غرفة فندق على شكل قبة بلاستيكية شفافة بحاجة لصحبة تضحك، تغني، ترقص وتسهر معك.

سأنتهي هنا لن أتكلم عن ما ستجده بمجرد إدخال كلمة عمان في محرك البحث، لن أوصي بريم البوادي وشمس البلد وكنافة حبيبة وفلافل هاشم وأبوجبارة وجدايل حواء وسكة الدراويش.. وغيرها فهي ستظهر لك عند البحث. لن أوصي بزيارة البحر الميت فلا أعتقد أن أحداً سيمر الأردن ويتخطاه بالنسبة لي ولوقتي لم يسعني إلا قضاء ساعة تقريباً في منطقة البحر الميت، لن أذكر محلات محلية وبهوية عربية كجو بدو وفانيلة وملبس فهي بنفسها ستصادفك في وسط البلد أو في محرك البحث إن أردت التسوق. لن أوصيك بدارة الفنون ومؤسسة خالد شومان ودار الأندى فهي أيضاً ستقاطع طريقك إن كنت تعتمد المشي وستظهر على محرك البحث إن كنت تبحث عن معارض ومتاحف فنية وسيبقى الخيار لك ولمزاجك ووقتك. سأنتهي هنا على أمل أني تركت فكرة خفيفة ومشجعة لقضاء إجازة نهاية الأسبوع في بلد قريب ومدهش.

  • سأضع في الأيام القادمة على انستقرام جميع الصور التي إلتقطتها لكل الأماكن السابق ذكرها..

إجازة نهاية الأسبوع: جازان

في السنوات الأربع الماضية تعلقت روحي برحلات نهاية الأسبوع، أفتح الخريطة واضع اصبعي على مدينة أوروبية ثم (هوبا) أقفز لها. ليلتين كانت كافية لإنعاشي وإعادة ترتيبي داخلياً أعود بعدها بكل حماس ونشوة للعمل. مع الأسف منذ عدت للسعودية في أكتوبر ٢٠١٨ افتقدت هذه العادة (بإستثناء رحلتا جدة و أوشيقر) لعدة أسباب ربما احتاج تدوينة أخري لمناقشتها. في ٢٠١٩ سمعت من الصديقات نفس النصيحة بعدة صياغات (تحتاجين تسافرين، فاقدة السفر أكيد، ليه طيب ما ترجعين تسافرين، السفر كان يعني لك أكيد هو اللي مأثر ع نفسيتك) وفي ليلة كانت صبغتها الأساسية الضجر جاءت جازان في وقت غير متوقع كاقتراح مفاجئ جداً من ريمتو : “جازان؟؟ تشوفينها ؟ أنا مره أشوفها”. أجبت: “ايه”. الحقيقة كانت مشاعري محايدة لم أرها في وقتها جيداً، أقصد لم أكن متحمسة ولم أرى أني سأسافر إلى جازان فعلا نهاية الأسبوع لكني اخترت الموافقة.

تواصلنا مع مرشدة سعودية في جازان سبق وأن خرجت في جولة سياحية في جازان مع صديقاتي العام الماضي و بعد تحديد العدد رتبت لنا جدول بتكلفة محددة لكل شخص لمدة ثلاث أيام من الخميس إلى السبت يشمل زيارة فيفاء والعيدابي والداير وجزيرة فرسان وجبال القهر، يشمل حجز فندق ليلتين ومواصلات (عدا الطيران) ووجبات الفطور والغداء.

اليوم الأول: استقبلتنا المرشدة في المطار بسيارتها الخاصة ثم انطلقنا لمطعم قصر غمدان تنوعت الوجبات مابين المرسه والفول ومغشات خضار ولحم. ربما لا أستطيع تقييم جميع الأطباق لأني لم أتذوقها جميعها لكن الفول ومغش الخضار كانت لذيذة جداً ودافئة وتحتضن المعدة كما تصف صديقة لي الطعام اللذيذ. انطلقنا لفيفاء وجبال العيدابي وبني مالك ، يحتاج الصعود لجبال فيفاء سائق محترف وخبير بالمنطقة وصعودها. في الطريق إلى فيفاء توقفنا عند سد جازان وعند العيون الحارة قبل أن نكمل المسير لجبال فيفاء ثم نستعين بشخصين من المنطقة ليكونوا دليلنا هناك. توقفنا عند مزارع موز ومنجا وقهوة في داير بني مالك تابعة لبيوت ناس ومزارع أخرى (:

اليوم الثاني: جبال القهر في محافظة الريث وما أدراك ما جبال القهر! الجبال التي تصعدها كوسلية صادقة وموضوعية لإختبار من أين جاء إسمها! انطلقنا فجراً بصحبة فريق Jazan Discover  والأستاذ فيصل الريثي والعم موسى الريثي من جبال القهر وقد كانا المرشدان الفعليان في هذه الرحلة بالإضافة لمرشدتنا ومرشد آخر، الأخيران كانت المرة الأولى لهم في جبال القهر، انطلقت المجموعات في سيارات دفع رباعي (لا تسمن ولا تغني من خوف بالنسبة لي). أعتقد أني تعرفت على الموت عدة مرات في طريق جبال القهر صعوداً ونزولاً (شكراً للصديقات اللاتي قمنا أكثر من مره بتبديل الأماكن لأكون في أكثرها أمن وطمأنينة وشكراً لأحضانهن التي فتحت لرأسي حتى لا أري أي جحيم أعبر). أذكر أني طوال الطريق أسأل المرشد هل اقتربنا وعندما يقول لا أعلق :”كل هذا و مو قهر؟! ضيم أجل”. الوصول إلى الجبال يعني الوصول لمنطقة تجعلك تتنفس الصعداء وتقول: كان الأمر يستحق. الإرتفاع الذي تكون عليه من الأرض وكل هذه الجبال المحيطة بك والسحاب الذي يدنو منك تجعلك تحمد الله أنك بكل جبنك صعدت إلى هنا إلى منطقة لم تنهكها أقدام البشر إلى هذا المكان القصي ذو الطريق الوعر والمركز الصحي الوحيد الذي يزوره الأطباء على ما أتذكر مره في الأسبوع و لا يسكنه سوى سبع عائلات أما البقية فاختارت المغادرة لمكان بخدمات أفضل. تحيط بجبال القهر الأودية ومن أجملها وادي لجب الذي تمنيت لو أن الوقت أسعفنا لزيارته. قضينا الوقت نتمشى حول المنطقة ثم مسترخين على الجبل نستمتع بالقهوة الخولانية التي قام بتحميصها أمامنا فيصل الريثي وهو يردد من الأهازيج مالا نفهم كلماته لكنه يلمس أرواحنا في الوقت ذاته كانت وجبة الغداء تطهى و المغشات حاضرة. أخيراً، القهر أكبر من صعود مرتفع إذ يحتضن منطقة أثرية اكتشفت فيها آثار ومقابر ونقوش وجماجم وأسرّة قديمة (وفقاً لما قرأت).

 

اليوم الثالث: الخطة كانت لفرسان لكن (اغفري للموج والريح والسفينة) لم تتواطئ الأرصاد الجوية مع مخططاتنا كان الموج عالي والرياح شديدة والأمطار متوقعة فعدلنا عن فرسان وتحولنا لجزيرة أحبار (إحدى جزر جازان) ولصيد السمك.. القارب الذي نقلنا لها كان قارب بهواية ركوب أمواج. توقف المركب في منطقة لصيد السمك جرب البعض الصيد ومارسته باحتراف المرشدة وقائد المركبة بعدها عدنا لشاطئ الجزيرة ولإحدى الجلسات المرتصة حول الشاطئ والتي تقدم فيها وجبة الغداء والمشروبات الساخنة.

ضوء هذه الرحلة الذي لن يخبو هو أهالي جازان الطيبون وصوت فيصل الريثي العذب وجبال القهر وجلستها وجميع رفاقها.

ما فاتني وتمنيته تمنيت أن أزور أسواق شعبية لكن لم يسعفني الحظ والوقت إذ حين بحثت وجدت الأسواق بالأيام ومتوزعة على مناطق مختلفة من جازان ليس فيها ما يناسب وقتنا وخطتنا. تمنيت أن هناك حقول واسعة وممتدة للقهوة والموز والمانجا أزورها وليست مجرد مزارع تابعة لبيوت ناس. تمنيت لو كانت هناك طريقة لصعود الجبال أو جزء منها مشياً بدلا من السيارات، بعيداً عن الخوف أنا من الأشخاص الذين ترهقهم السيارات ويرهقهم قطع طريق طويل من هذا النوع أو رحلة كاملة بسيارة.

ترغب في قضاء نهاية الأسبوع في جازان: اطلع على جميع العروض الموجودة في السوق واختر منها ما يقدم البرنامج المناسب لك ويتناسب مع ميزانيتك خاصة أنه الآن توجد العديد من المجموعات السياحية التي تقدم هذا النوع من الرحلات حتى أننا التقينا بفتيات قد خيموا في فرسان مع مجموعة مسارات masaratclub. لو قرأت مسبقاً عن أماكن معينة ويهمك المرور بها أطلع المرشد على ذلك قبل الاتفاق على الرحلة. اضغط زر إيقاف للوجبات الغذائية المعتادة وفعّل زر الوجبات الجيزانية التقليدية. جهزوا قائمة أغاني جميلة تليق بالطريق وجباله (:

أما بعد أصبحت كلي حماس لرحلات نهاية أسبوع مماثلة تغطي مااستطاعت من ربوع بلادي..